فهرس الكتاب
1)جاء في صدر الآية عبارة { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } فهذا يبين أن إظهار دين الحق على الدين كله إنما تم من خلال رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا المعنى قال بعض المفسرين إن هذا إشارة إلى غلبة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانتصاره على الكفار وأهل الكتاب في ميادين القتال. بيد أننا نرى أن الأصح هو القول بأن هذا الظهور إنما تم بواسطة البراهين والدلائل التي جاء بها القرآن الكريم وتغلب بها على المناهج الخاطئة والأديان الباطلة، ومن هذا قوله تعالى في سورة الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (الصف/14) ، فمن الواضح أن ظهور الطائفة من بني إسرائيل على عدوهم لم يكن بالحرب والقتال بل بالحجة والبرهان، وقد ذهب «زيد بن علي» إلى هذا القول أي أن أتباع المسيح إنما ظهروا على عدوهم بالحجة، وذكر صاحب تفسير الكشاف [الزمخشري] هذا القول كذلك.
(2) لقد صرح القرآن نفسه وأخبر في عدة مواضع بما يفيد أن اليهود والنصارى سيبقون إلى يوم القيامة ولن يزولوا تمامًا من على الأرض أبدًا، فإذا قلنا إن هذه الآية معناها زوال اليهودية والنصرانية من على وجه البسيطة وأن جميع البشر سيصبحون مسلمين، كان قولنا غير متطابق مع الآيات الكريمة التي أوردناها فيما سبق من سورة المائدة، ومناقضًا لها. أضف إلى ذلك أنه في الآية موضع الاستشهاد لم يقل الله تعالى: هو الذي أرسل رسوله ليمحو الأديان كلها ويزيلها من الوجود بل قال ليظهر دين الحق على الدين كله.