فهرس الكتاب
وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة قتل من قال: (( لا إله إلا الله ) ) [1] . قال له: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله وكذلك قوله: (( أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكّفر، ولا يقتل ولو فعل ما فعل [2] .
فيُقال لهؤلاء المشركين الجُهّال: معلومٌ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويدّعون الإسلام، وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب بالنار، وهؤلاء الجهلة يقولون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، وأما من
(1) ومن شبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين استدلالهم (( بإنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على من قتل رجلًا بعد أن قال لا إله إلا الله ) ).
وكشفها بالجواب التالي:
أولًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل اليهود والنصارى وسبى نسائهم وذراريهم وأموالهم وهم يقولون لا إله إلا الله.
ثانيًا: اتفاق الصحابة على قتل أتباع مسيلمة الكذاب، وقتل الذين سجدوا لعلي - رضي الله عنه - مع أنهم يقولون لا إله إلا الله.
ثالثًا: أن هؤلاء الخرافيين مقرون أن من جحد البعث كفر ولو قال لا إله إلا الله، فكيف لا يكفر من جحد التوحيد وهو أصل دين الرسل.
رابعًا: أما حديث أسامة فالجواب عليه: أن المشرك إذا قال لا إله إلا الله، فإنه يُرفع عنه السلاح حتى يتبين منه ما يخالف مدلولها، فإن تبيَّن منه ما يخالف مدلولها قتل مرتدًا.
خامسًا: وأيضًا فإن الذي قال: (( أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ) )هو الذي قاتل اليهود والنصارى وأمر بقتل الخوارج فتبين أن المراد من لا إله إلا الله معناه ـ وهو التوحيد ـ لا مجرد لفظها، فمن أظهر ما يناقض ما دلت عليه من التوحيد ونفي الشرك كفّر وقتل إن لم يتب ولو قالها ألف
مرة لما سبق من الأمثلة.
(2) ومن شًبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قولهم: (( من قال لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل، ولو فعل ما فعل ) )، ويستدلون بأحاديث مثل: (( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) ).
وكشفها بالجواب التالي:
الأول: أن مجرد قول هذه الكلمة لا يمنع من التكفير، فقد قالها أناس كثير وكفرهم الصحابة، إما لعدم علمهم بمعناها أو لعدم عملهم بمقتضاها أو لوجود ما يناقضها وينافيها مثل اليهود وأتباع مسيلمة الكذاب الذين قاتلهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وكذلك غلاة الشيعة الذين حرقهم علي - رضي الله عنه - بالنار لما سجدوا له، فقولها باللسان لا يكفي لعصمة الدم والمال بل لابد من من تحقيق ما دلّت عليه شهادة ألا إله إلا الله، والعمل بمقتضاها وترك ما ينقضها ويضادها.