فهرس الكتاب
«وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا أنني أخالفك في موضعه فأتمنى أن يكون في مصر في خير وسلامة فهي أحب إلي من أوروبا, ولا أظن أن العاقل يستحب الإقامة في أوروبا إلا للضرورة وبقدرها» إلى أن قال:
«ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل إلى أوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة، والذي أنكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون إلى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها، ومنذ جئت إلى أوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديدا، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال، فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحلول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل، وذلك أني أرجع إلى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم، ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له، فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته، فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضادًا أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون، فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين أولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب إلى أن يصلوا إلى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسلين أو المرسلين» . [انظر مجلة الفتح العدد 811 ص 13]
فتأمل أخي الكريم هذه الجواهر واللآليء بعين الإنصاف، وزنها بميزان العقل، تجد أن الشيخ العلامة قد طبق المفصل، وأصاب كبد الحقيقة، وأن ذلك لا يصدر إلا من أصيل الرأي، ثاقب النظر، سديد الرأي لا عن مقلد للغرب متأثر بهم، كما يزعم ذلك الرجل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما على الحكومات العربية والإسلامية إلا أن تبحث في سبل تطبيق هذه النظرية العلمية العظيمة، وآلات تحقيقها.
فهذا الحق ليس به خفاء * * * فدع عني بنيات الطريق
ويقول - رحمه الله - وهو في ألمانيا: (وأن من أهم الأمور التي دعتني للإقامة في أوروبة إبطال دعاوى المتفرنجين، وفضح أحوالهم، وهتك أستارهم، وإتيان بيوتهم التي هي