أما الواجب على أهل العلم من العلماء الكبار ومن دونهم، والطلبة فيما بينهم: فعلى كل منهم أن يحب للآخر ما يحب لنفسه، وهذا واجب عمومي على جميع المسلمين، لكن أهل العلم عليهم من هذا الحق أعظم مما على غيرهم لما تميزوا به، ولما خصهم الله به، وعلى كل منهم أن يدين لله ويتقرب إليه بمحبته جميع أهل العلم والدين، فإن هذا الحب من أعظم ما يقرب إلى الله ومن أكبر الطاعات، وهذا الحب يتبع ما اتصف به الإنسان من الأمور التي يحبها الله ورسوله من العلم والاشتغال به والعمل فإن نفس الاشتغال بالعلوم الشرعية وتوابعها من أجل الطاعات، ثم حصول العلم للشخص هو من الأوصاف التي يحب لأجلها، ثم تعليمه للناس وعمله مما يجب أن يحب عليه، فكل هذه الأمور موجودة في أهل العلم، فلهم من الحق على أهل العلم وعلى غيرهم، وأن يميزوا بهذا عن غيرهم لما لهم من المميزات، وإذا عثر أحدهم وغلط في مسألة علمية تعين ستر ما صدر منه ونصيحته بالتي هي أحسن.
ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد إشاعة عثراتهم والقدح فيهم وفي غلطاتهم، وأقبح من هذا إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك، وربما يكون -وهو الواقع كثيرًا- أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ ولهم اجتهادهم فيه معذورون والقادح فيهم غير معذور، وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين، فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم التعاون على البر والتقوى؛ والسعي في إعانة بعضهم بعضا في كل ما عاد إلى هذا الأمر، وستر عورات المسلمين وعدم إشاعة غلطاتهم والحرص على تنبيههم بكل ممكن من الوسائل النافعة، والذب عن أعراض أهل العلم والدين؛ ولا ريب أن هذا من أفضل القربات، ثم لو فرض أن ما أخطؤوا أو عثروا ليس لهم فيه تأويل ولا عذر، لم يكن من الحق والإنصاف أن تهدر المحاسن وتمحى حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير كما هو دأب أهل البغي والعدوان، فإن هذا ضرره كبير وفساده مستطير، أي عالم لم يخطئ وأي حكيم لم يعثر [1]
وقد علمت نصوص الكتاب والسنة التي فيها الحث على المحبة والائتلاف والتحذير من التفرق والاختلاف، وأعظم من يوجه إليهم هذا الأمر أهل العلم والدين، فمتى لزموا هذه الأوامر الشرعية الحكمية تبعهم الناس واستقامت الأحوال، ومتى أخلوا بذلك وحل محله البغي والحسد والتباغض والتدابر تبعهم الناس وصاروا أحزابا وشيعا، وصارت الأمور في أطوار التغالب وطلب الانتصار ولو بالباطل، ولم يقفوا على حد محدود، فتفاقم الشر وعظم الخطر وصار المتولي لكبرها من كان يرجى منهم قبل ذلك أن يكونوا أول قامع للشر، وإذا تأملت الواقع رأيت أكثر الأمور على هذا الوجه المحزن.
ولكنه مع ذلك يوجد أفراد من أهل العلم والدين ثابتين على الحق قائمين بالحقوق الواجبة
(1) انظر رسالة"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.