فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 71

علم اللغة الاجتماعي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

يهتم علم اللغة الاجتماعي بدراسة اللغة الإنسانية الطبيعية باعتبارها أداة تواصلية داخل المجتمع، ضمن شبكة من العلاقات التواصلية التي ينخرط فيها الفرد بشكل عفوي وإرادي مع الأشخاص المحيطين به، في مستويات ووضعيات مختلفة. وتصبح اللغة بهذا المعنى أداة تواصلية اجتماعية، لا تكتفي بتمرير خطاب معين، بل هي جزء من ذلك الخطاب، بل هي خطاب.

وإذا كانت ولادة اللسانيات الغربية الحديثة [1] قد نشأت من رغبة Ferdinand De Saussure (1857 - 1913) في بلورة نموذج مثالي للغة انطلاقا من عملية التلفظ الكلامي، فإن التعامل مع اللغة باعتبارها أداة مثالية قد جعله لا يهتم كثير باللغة في بعدها الاجتماعي. حقا، إننا نجده يعتبر اللغة باعتبارها نسقا من العلامات هي الشق الاجتماعي لفعل الكلام، كما أنه كان يعتبر اللغة بمثابة مؤسسة اجتماعية.

ولكنه، مع ذلك، كان يعتبر اللسانيات تهتم بموضوع واحد: وهو اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها، أي اللغة باعتبارها كيانا مستقلا عن المتكلم بها وعن الجموعة البشرية التي تتواصل بها. فاللغة موجودة بشكل مطلق، وهي جاهزة لكي يتحدث بها المتكلم اللغوي. وهذا الأخير يدرك جيدا قواعد تلك اللغة بشكل سليم جدا. فاللغة - بهذا المعنى - نسق أو نظام يعرف ترتيبه الخاص بالمعنى المطلق للكلمة. فكأنه توجد اللغة من جهة والباقي من جهة ثانية. فهناك فصل معرفي ومنهجي بين اللغة والمؤثرات الأخرى الموجودة في الواقع والمجتمع.

(1) - نتحدث هنا عن نشأة النظريات اللسانية في الغرب دون أن نغفل وجود دراسات لغوية تاريخية سابقة في الغرب، ودون أن نغفل أيضا وجود لسانيات مقارنة انطلقت من اللغة السنسكريتية ونحو تلك اللغة الهندية القديمة. وإذا حصرنا الكلام عن النظرية اللسانية الغربية في هذا العمل فإنه لا يعني التغاضي عن وجود نظرية لسانية عربية إسلامية لها امتداداتها التاريخية ومنطلقاتها الثقافية والفكرية التي تجعلها تطرح سؤال اللغة بعيدا عن تصورات دينية متصلة لفكرة العقاب الإلهي كما هو موجود في التوراة وفي الكتاب المقدس عموما. ولا يسع المجال للخوض في تفاصيل هذه المسألة هنا. وقد درسناها في مناسبات سابقة كما نفكر جديا في تخصيص دراسة مستفيضة عن القضايا التي أثارتها اللسانيات التاريخية والنحو المقارن في الغرب. ولعل القارئ النبيه استوعب وجود نطريتيْن لغويتيْن مستقلتيْن تماما: نظرية لسانية عربية-إسلامية ونظرية غربية. ولعل هذا التمييز يدفع كثيرا من الباحثين اللغويين اليوم إلى التفكير في إمكانيات التوسع في الأمر بعيدا عن تطبيقات حرفية لمقولات لسانية غربية على اللغة العربية، فيه اكثير من التعسف والتطاول والتجني ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت