مضاء إلا انه ايضا لم يلق استجابة واعية لما طرح من ابحاث جديرة كل الجدارة بالبحث والتنفيذ خدمة لمناهج تدريس اللغة العربية واستعمالاتها.
وهكذا ظل النحو العربي على حاله يثقل حركة اللغة ويعرقلها حتى ايقظتنا ثورة أخرى لم نكن نحسب لها حسابا وهى ثورة المعلومات التي جاء بها عصر التكنولوجيا فأيقظت ما غفا من دعوات التي التخفيف بغية اللحاق بعصر الكمبيوتر، وتأهيل لغتنا الجميلة لان تمتطي متنه الى درب الديمومة والازدهار الفكري، بصفة أن اللغة هي حامل الفكر ووعاء الحضارة مثلما انها اداة للتوصيل.
ولم يعد الامر مجرد نظريات لغوية تنفتق عنها عقول النحاة واللغويين تتجاذبها التخريجات الذهنية المتعارضة بقدر ما هي اداة توصيل ينبغى ان تكون اكثر طواعية لحمل اعمال الفكر المتنامى والمتسارع الى عالم المستقبل واجياله القادمة حتى لا يؤول مصير اللغة العربية الى مثل مصائر اللغات التي عاقها جمودها عن مسايرة التطور الحضاري فكان مالها الى الزوال او الانزواء في اقبية كهنوتية لا تكاد تراما عين او تلمسها يد.
ولطالما حيرتني تلك الثنائية في تعاطى اللغة العربية منذ بدء المدارس النحوية واتقادها في الكوفة والبصرة ثم امتدادها الى اليوم، فنحن نرى اللغة من خلال النص القرآني الكريم طيعة سهلة المأخذ تتخطى الكثير من الكوابح النحوية التي رسختها مدرستا الكوفة والبصرة وما أعقبهما من مدارس الشروح والتبويب النحوى.
اننا نرى النص القرآني يخاطب المفرد أحيانا بلغة الجمع والجمع بلغة المفرد والمثنى بلغة الجمع فان قالت الاية (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) ولم تقل اقتتلا فإنما بذلك نستمد بعدا بلاغيا من التعبير متجاوزين القياس النحوى الى جلاء البلاغة في القول والفصاحة في الاسلوب بل ان بعض المفسرين ذهب في تفسيره لاحدي الايات على انها نفى يراد به الاثبات وذلك لما ظن من تعارض ظاهر الاية مع ما شرع في شأن الصوم وهى الاية الكريمة (وعلى الذين يطيقونه فدية كا اذ ليس من الوارد الفدية مع استطاعة الصوم، وهو الأولى بالاداء شرعا وبالطبع ثمة تخريجات عدة للاية في كتب المفسرين ولم يجد المفسر حرجا في تأويل النص القرآني بما يتفق والاجماع في احكام الصيام حتى لو كانت وسيلته ابدال صيغة الاثبات بصيغة النفى وهما طرفا نقيض في التعبير والمدلول.
وقد اورد ابن مضاء شواهد كثيرة على سهولة التعبير في النص القرآني من حيث الايجاز في المواقف والاقتصاد في المفردات تاركا للقارئ ادراك المعنى المراد اذا كان فطنا بأمور اللغة مدركا لمضامينها ومدلولاتها، وهو انجاز بليغ لاينتقص من المعنى شيئا ومن ذلك الأيات الكريمة: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) وقوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) وفى قراءة العفو على النصب او الرفع ففي الحالين تؤدي الآية المعنى المراد.
ولانبغى بالطبع هنا الاضطلاع بمهمة التفسير القرآني فذلك أولى به علماء التفسير والقراءات إلا ان ما يهمنا ان نلفت اليه النظر هو مدى التسامح الجم في التعامل مع اللغة من خلال النص القرآني وهو احداهم مصادرها بل ربما كان اهمها على الاطلاق بينما راح النحاة يتنازعون الاحكام النحوية ويتعسفون في صناعة قاعدة او «لغة» لكل ما يواجهونه من خروج في لغة السابقين على ما استن النحويون من قواعد واقيسة اثارت استياء ابن مضاء وغيره بما حملت من تعقيدات. اطلاله على النص يقوم كتاب «الرد على النحاة» على أحدى وخمسين ومائة صفحة من القطع المتوسط، شاملة الفهارس وقوائم بأسماء كتب أخرى للمحقق ومقدمة الطبعات الثانية والثالثة ثم الأولى وبعدها مدخل الى الكتاب اورد فيه المحقق ملامح العصر الذي تم تأليفه فيه والمناظرات اللغوية والفقهية التي صاحبت تأليفه وما اتسم به ذلك العصر، في المغرب العربي، من ازدهار فكرى في ظل دولة الموحدين في القرن السادس الهجري.
ولا غرر ان يظهر في ذلك العصر مفكرون مثل ابن مضاء وهو العصر الذي شهد ظهور ابن رشد وابن طفيل وابن زهر وغيرهم ممن شغل التاريخ بفكره ـ وما يزال.
كان ابن مضاء يشغل منصب قاضي القضاة في دولة الموحدين، وهو منصب اتاح له تناول قضايا فقهية ولغوية لفقهاء المشرق ولغوييه، تناولا لم يخل من نقد ومآخذ.
انه ابو العباس محمد بن مضاء اللخمى واصله من ترطبة وكان عالما بالطب والحساب والهندسة الى جانب علمه باللغة والفقه كما كان شاعرا بارعا وكاتبا مبرزا وقد وردت سيرته تفصيلا في كتاب"بغية الوعأة"للسيوطى و «الديباج المذهب» لابن فرخون.
ولم يقتصر ابن مضاء في سعارضته لنحاة المشرق على كتابه هذا وانما سبقه بكتابين هما «المشرق في النحو» و «تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان» .