الاحتكار بين الترجمة وعلوم اللغة والفقه والاقتصاد - د. صالح السلطان
في إحدى سنوات دراستي في كلية الشريعة في الرياض قبل سنين طويلة، اخترت الكتابة عن الاحتكار وأحكامه في الفقه. كان مطلوبا من الطالب كتابة بحث (أو بالأحرى شبه بحث) قصير كل عام دراسي. المشرف أستاذ فقه، والمراجع فقهية، وكتابتي كلها كانت وفق المنهجية الفقهية: البدء بالتعريفات اللغوية والفقهية، ثم ذكر الآراء الفقهية مع أدلتها ثم المناقشة والترجيح. التعريف اللغوي يدور حول حبس سلعة تربصا لغلائها، وعلى هذا المعنى دار نقاش الفقهاء.
ثم شاء الله لي أن أدرس علم الاقتصاد. كان من ضمن ما درست في النظرية الاقتصادية الجزئية أنواع الأسواق، ومنها الاحتكارية. لفت انتباهي أن معنى الاحتكار في علم الاقتصاد لم يستند إلى المعنى اللغوي، كما تعودنا في دراسة الشريعة، بل يكتب بإزائه في بعض كتب الاقتصاد العلمية أحيانا الكلمة الإنجليزية monopoly، أي أن المقصود هو المعنى الذي تدل عليه الكلمة الإنجليزية. وما تدل عليه هذه الكلمة الأعجمية يختلف بعض الاختلاف عن المعنى اللغوي، وتبعا لذلك يختلف بعض الاختلاف عن معنى الاحتكار الذي يناقش في كتب فقهية.
الإشكال الأهم أنني وجدت بعض من كتبوا من المعاصرين عن أحكام الاحتكار، وجدتهم كتبوا مقارنين بين أحكام الاحتكار في الشريعة وعالم الاقتصاد المعاصر، مشيرين إلى أسبقية الإسلام في النهي عن الاحتكار، وكأنهم يتكلمون عن معنى متصور واحد. يقع الإنسان في حرج حين يسمع أن الاحتكار حرام، وفي الوقت نفسه يعرف أن بعض الخدمات محتكرة (بفتح الراء، وحسب المعنى الشائع لكلمة احتكار) ، بتأييد من الاقتصاديين، وبقرار من السلطة. والمشكلة، إذن، ليست مجرد مشاحة في الاصطلاح.