حقيقة الأراضي الأميرية
وطرق توارثها
بحث أعده
الأستاذ الدكتور أحمد الحجي الكردي
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد جرى الاختلاف بين فقهاء العصر حول ما يطلق عليه (الأراضي الأميرية) ما هي حقيقتها، وهل هي ملك لمن هي في يده اليوم، سواء ورثها عن أصوله سنين عديدة، أو اشتراها ممن كانت في يده لا ينازعه فيها أحد بثمن مكافئ في يومها، وكان ذلك الإرث أو ذلك الشراء بمعرفة الدولة وإقرارها وتسجيلها واعتمادها، أو أن هذه الأراضي هي ملك للدولة، وهي في يد من يستعملها اليوم على سبيل الإجارة منها، أو هي وقف للمسلمين عامة، وعلى من يستعملها خراجها وهو إيجارها، وعليه فلا تورث عنه بعد وفاته، ولا يكون له بيعها، ولا إيجارها بغير إذن الدولة في ذلك؟؟.
وإنني في ضمن هذا الاختلاف بين السادة العلماء أدلي بدلوي، وأبين ما ظهر لي في ذلك، فلعله ينهي النزاع، أو يحد منه على أقل تقدير.
فكلمة أراضي أميرية اصطلاح جديد لم يكن منتشرا بين الناس قبل سنين معدودة، وحقيقة هذه الأراضي في الأصل أنها الأراضي التي فتحت في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه من أراضي الشام ومصر والعراق، وتركها صلحا في يد مالكيها من سكان البلاد، على أن يدفعوا عنها الخراج للدولة الإسلامية، وقد بقيت في أيديهم سنين كثيرة وهم يدفعون خراجها للدولة الإسلامية بدون منازع، وقد باعها الكثيرون منهم للمسلمين بأثمان حقيقية مكافئة دون اعتراض أحد على ذلك، لا من السكان ولا من الدولة، وكانوا يتوارثونها بعد وفاة القائمين عليها بحسب النظم الإسلامية، على مرآي من الدولة ومسمعها، عبر العصور كلها، دون منازع.
ثم جرى الاختلاف فيها في أواخر عهد الدولة العثمانية، فقال البعض هي ملك للدولة، وهي في يد أصحابها على سبيل الأجرة، والخراج هو أجرتها، وقال البعض هي وقف للمسلمين، وهي في يد أصحابها على خراج يدفعونه للدولة هو أجرتها، وقال البعض: هي ملك لأصحابها بتمليكها لهم من قبل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والخراج عليها ضريبة للدولة لإقامة مصالحها، وهو مقابل للعشر الذي يدفعه المسلمون عن أراضيهم وزروعهم، ولأصحابها بيعها وتوارثها كأي ملك آخر لهم.
وإنني سوف أبين أصل هذا النزاع في مذاهب الفقهاء، على النحو التالي:
أريد بادئ ذي بدء أن أفرق بين ثلاث مصطلحات، أراضي أميرية، وأراضي موات، وأراضي هي ملك للدولة، تسمى في عرفنا أملاك دولة.