فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 210

أدركت بعض أهل العلم -رحمهم الله تبارك وتعالى- لما سألته عن هذه القاعدة، وإن كان في قوله نظر لكنني أريد أن أشير لك أن هذه القاعدة ليست كما يظنها كثير من الجهلة الأغمار أنها من القواعد المسلمات كما لو كانت كقول الله -تبارك وتعالى- {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير} ، ليست هي كذلك، هذه قاعدة نظر أهل العلم -رحمهم الله- في عمومات الكتاب والسنة وكلياتهما ثم استنبطوا هذه القاعدة ووضعوها، فينبغي أن نفهم على أي شيء تُحمل.

فقال لي -رحمه الله-: هذه القاعدة لما كثر الخلاف بين مدارس المذاهب وضعها المقلدة حتى يكفّر كل واحد منهم من خالفه بها. هكذا قال، وقوله كما قلت قول فيه نظر، ولذا لما وقع هذا الخلاف وجب علينا أن نرجع إلى هذه القاعدة فننظر ماذا أراد بها أهل العلم -رحمهم الله تبارك وتعالى-، وحتى تعلم ذلك فهلم وانظر ماذا في كتاب الله -عز وجل-؛ فأما من نص الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم على كفره نوعًا وعينًا فهذا لا خلاف في أن المخالف فيه كافر، فالله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} هذه واضحة أن الله -عز وجل- كفّر النصارى الذين قالوا بأن الله ثالث ثلاثة، فلو أن رجلًا أتى فقال: النصارى ليسوا بكفار، ولا فرق بينهم وبين دين الإسلام، أو قال: فلان الذي يعتقد ذلك لا فرق بينه وبين فلان الذي يعتقد أن الله واحد لا شريك له. قلنا: هذه القاعدة يمكن وبكل سهولة تنزيلها على هذا،"من لم يكفّر الكافر أو شك في كفره فهو كافر"، فهذا نوعٌ نص الله -عز وجل- عليه كما نص على كفر المعيّن منه.

والقسم الثاني في الكتاب: من نص الله -عز وجل- على كفره في كتابه بعينه؛ كما نص على كفر أبي لهب، وكما نص على كفر فرعون، وكما نص على كفر الوليد بن المغيرة؛ وذلك بتكرار الصفات كما قال الإمام الزركشي -رحمه الله تعالى- في (البرهان) :"أن تكرار الصفات في القرآن قد تأتي للإشارة إلى شخص بعينه"، {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا .. } إلخ، تكرار الصفات للإشارة إلى أن المراد هو شخص بعينه، فهذا بمثابة النص على الوليد بن المغيرة، لكن دعونا في الأول الذي نص الله -عز وجل- على كفر عينه ككفر أبي لهب وكفر فرعون، فلو أن رجلًا أتى فقال: لا فرق بين فرعون وأبي لهب وبين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! لقلنا: هذه القاعدة تتنزل عليه وهو كافر بلا خلاف، لا إشكال فيه حين ذلك.

وأما النوع الثالث، وهو الذي يقع فيه الإشكال: أن الله -تبارك وتعالى- نص على كفر نوع في كتابه، فقال -عز وجل-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} إلى آخر الآية، وقال -تبارك وتعالى-: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، وقال -تبارك وتعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت