فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أول ما يدخل به المرء في الإسلام، وأخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما بعثه إلى اليمن (إنك تأتى قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه؛ عبادة الله وحده - وفي رواية؛ فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله - فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله، عز وجل، افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى، افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) [اخرجه الشيخان] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل) [رواه الشيخان] .
وفي هذا الحديث الشريف تفسير لقول الله تعالى {فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة5] ، والتخلية في هذه الآية الكريمة، والعصمة في الحديث الشريف، الذي جاء قبلها، كلاهما بمعنى واحد.
فكل الرسل، عليهم الصلاة والسلام، قد أدركوا حقيقة التوحيد وكلهم بعثوا بها، وكلّهم دعا إلى عبادة الله الواحد، دعا إلى الحقيقة التي تلقاها وأُمر بها كما أُمر أن يبلغها، وقد نهضوا جميعا عليهم الصلاة والسلام بذلك؛ لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة الصادرة إليهم من الله تعالى وحده، ومن ثم كان هناك مصدر واحد لا يتعدد، يتلقى منه البشر التصور الصادق، الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله، هذا المصدر هو الذي أنزل على خاتم رسل الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الكتاب، القرآن الكريم، أنزله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وهو كتاب واحد في حقيقته، وهو تصور واحد في قاعدته؛ رب واحد، وإله واحد، ومعبود واحد، مشرع واحد لبني الإنسان، فالله تعالى هو الذي خلق، فهو الذي يشرع ويأمر وينهى، ومنه نستمد جميع الأحكام من حلال وحرام؛
• {أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ} [الأعراف54] .
• {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة21 - 22] .
وإن التوحيد المطلق لله سبحانه وتعالى، يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل، عليهم الصلاة والسلام، للبشر جميعًا، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة، والرسالة للناس، ولذلك عبر الله تعالى عمن يريدون التفرقة بين الله ورسله، وعمن يريدون التفرقة بين الرسل - بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض - عبَّر عن هؤلاء وعن هؤلاء أيضًا بأنهم هُمُ الكَافِرُونَ