قال عبد الرزاق: اخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله {فأولئك هم الكافرون} ؟ قال: (هي به كفر) ، قال ابن طاوس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) . فتبين أن ابن طاوس هو قائلها لا ابن عباس.
الوجه الثاني: أن أئمة الحديث قالوا: إذا اختلف أصحاب معمر فالقول لعبد الرزاق، ذكر ذلك إمام العلل والجرح والتعديل وصاحب المعرفة والمعاصرة بعبد الرزاق الصنعاني، فقال محمد بن سهل بن عسكر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (إذا اختلف أصحاب معمر في حديث معمر فالحديث حديث عبد الرازاق) [تاريخ أسماء الثقات ج 1 ص 1800] .
كذلك الحافظ ابن حجر رجح رواية عبد الرزاق عن معمر عن رواية عبد الأعلى عن معمر - وما أدراك ما عبد الأعلى؟ ثقة من رجال الجماعة - وإليك البينة؛ قال رحمه الله تعالى: (ووقع عند النسائي أيضا في حديث الزهري من رواية عبد الأعلى عن معمر زيادة البطة بين الكبش والدجاجة لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها) [فتح الباري ج 2 ص 368] ، لذلك يؤكد ابن عبد البر رحمه الله تعالى هذا فيقول: (وأبان ليس بحجة ولا تقبل زيادته على عبدالرزاق لأن عبدالرزاق أثبت الناس في معمر) [التمهيد ج 6 ص 410] ، علمًا أن أبان هذا ثقة له أفراد من رجال الصحيحين.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: (كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر) [تهذيب التهذيب ج 6 ص 279] ، وقال يعقوب بن شيبة: (عبد الرزاق أثبت في معمر جيد الإتقان) .
فتأمل أخي القارىء الكريم كيف رجح الأئمة الكبار كأحمد وابن معين وابن عبد البر ويعقوب وابن حجر رواية عبد الرزاق عن غيره، وكيف يستميت القوم الذين يؤيدون مذهب الإرجاء في مخالفة الأئمة، فالله المستعان.
الوجه الثالث: أن الرواية الصحيحة الثابتة هي رواية عبد الرزاق المطلقة التي تقرر"هي به كفر"، دون الزيادة المدرجة في رواية سفيان؛"وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله"، وهذا مقتضى كلام الإمام أحمد وابن معين ويعقوب وابن عبد البر وابن حجر.
الوجه الرابع: ما قرره أئمة الحديث في المدرج ينطبق تمام المطابقة على هذه الرواية.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: (المدرج هو ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن لا يبين للسامع إلا أنها من صلب الحديث، ويدل دليل علي أنها من لفظ راوي، يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا) .
وهنا جاءت رواية تفصل هذا من هذا ممن هو أوثق وأحفظ للرواية من المخالف.