المبحث الثالث
أحوال السلف الصالح في تحقيق عقيدة الولاء والبراء
يقول أبو الدرداءِ- رضي الله عنه-: (ما أنصف إخواننا الأغنياء، يحبوننا في الله ويفارقوننا في الدنيا، إذا لقيته قال: أحبكَ يا أبا الدرداء، فإذا احتجت إليه في شيءٍ امتنع مني) [1]
ويقول أيوب السيختياني- رحمه الله-:"إنَّه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنَّه مات، فكأنما فقدتُ بعض أعضائي".
وكان أحمد بن حنبل- رحمه الله- إمام أهل السنة، [إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال- رحمه الله-: (لا أقدرُ أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه) [2] .
فانظر - يا رعاك الله - كيف كان تعظيم الله وتوقيره في قلب الإمام أحمد يجعله لا يطيق النظر إلى من افترى على الله وكذب عليه، وأي افتراء أعظم من مقالة النصارى أن لله ولد - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - قال عمر بن الخطاب في شان النصارى:"أهينوهم ولا تظلموهم، فإنهم سبُّوا الله تعالى أعظم المسبة".
وهذا بهلول بن راشد- رحمه الله- من أصحاب مالك بن أنس- رحمه الله- دفع إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري به زيتًا، فذُكر للرجل أن عند نصراني زيتًا أعذب ما يوجد. فانطلق إليه الرجل بالدينارين وأخبر النصراني أنه يريد زيتًا عذبًا لبهلول بن راشد، فقال النصراني: نتقرب إلى الله تعالى بخدمة بهلول كما تتقربون أنتم إلى الله بخدمته. وأعطاه بالدينارين من الزيت ما يعطى بأربعة دنانير، ثم أقبل الرجل إلى بهلول وأخبره الخبر، فقال بهلول: قضيت حاجةً فاض لي الأخرى، رُدَّ علىّ الدينارين فقال: لم؟ قال: تذّكرت قول الله تعالى: (( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ) (المجادلة: من الآية22) .
(1) الزهد لابن المبارك (ص 232)
(2) طبقات الحنابلة (1/ 12)