ويعادوا عليه دون أن يلتفتوا إلى قومية أو غيرها من الأفكار المسمومة والدعوات المشئومة، ولو كانت أنسابهم وحدها تنفعهم شيئا لم يكن أبو لهب وأضرابه من أصحاب النار، ولو كانت تنفعهم بدون الإيمان لم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا» وبذلك يعلم القارئ السليم من الهوى أن الشبهة المذكورة شبهة واهية لا أساس لها من الشرع المطهر، ولا من المنطق السليم البعيد من الهوى.
وهنا شبهة أخرى وهي قول بعضهم: أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ذل العرب ذل الإسلام» ورواه بعضهم بلفظ: «إذا عز العرب عز الإسلام» قالوا: وهذا يدل علي أن انتصار القومية العربية والدعوة إليها انتصار للإسلام ودعوة إليه، والجواب أن يقال: يعلم كل ذي لب سليم وبصيرة بالإسلام، أن هذه سفسطة في السمعيات، ومغالطة في الحقائق، وتأويل للحديث على غير تأويله، سواء صح أم لم يصح، فإن الواقع يشهد بخلاف ما ذكره القائل، فقد ذل العرب يوم بدر ويوم الأحزاب، وصار في ذلهم عز الإسلام وظهوره، وانتصر العرب يوم أحد وصار في انتصارهم ذل المسلمين والمضرة عليهم، ولكن الله سبحانه لطف بأوليائه وأحسن لهم العاقبة، فهل يستطيع هذا القائل أن يدعي خلاف هذا الواقع؟ وهل يمكن أن يقول: إن انتصار العرب الكافرين بالله، المحاربين لدينه، انتصار للإسلام، من قال هذا فقد قال خلاف الحق، وهو إما جاهل أو متجاهل، يريد أن يلبس الحق بالباطل ويخدع ضعفاء البصائر، سبحان الله ما أعظم شأنه.
ثم أعود فأوضح للقارئ أن الحديث المذكور ضعيف الإسناد، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في:"مجمع الزوائد"لما ذكر هذا الحديث بلفظ: «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» رواه أبو يعلى، وفي إسناده محمد بن الخطاب ضعفه الأزدي وغيره، ووثقه ابن حبان. انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في"الميزان"في ترجمة محمد المذكور - قال أبو حاتم: لا أعرفه، وقال الأزدي: منكر الحديث، انتهى. قلت: وفي إسناده أيضا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف عند جمهور من المحدثين لا يحتج بحديثه لو سلم الإسناد من غيره، فكيف وفي الإسناد من هو أضعف منه وهو محمد بن الخطاب المذكور. وأما توثيق ابن حبان له فلا يعتمد عليه لأنه معروف بالتساهل وقد خالفه غيره.
ولو صح الحديث لكان معناه: إذا ذل العرب الحاملون راية الإسلام والدعوة إليه، لا العرب المتنكرون له الداعون إلى غيره. ولا يجوز أن يرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أبدا، فإن كلام الله لا يتناقض، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، والسنة لا تخالف القرآن بل تصدقه وتوافقه وتدل على معناه وتوضح ما أجمل فيه [1]
(1) بل الحديث موضوع كما حقق ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 163 في بحث طويل مفيد وضمنه بما ذهب إليه الشيخ ابن باز حيث قال الألباني: جملة القول: إن فضل العرب إنما هو لمزايا تحققت فيهم، فإذا ذهبت بسبب إهمالهم لإسلامهم ذهب فضلهم، ومن أخذ بها من الأعاجم كان خيرا منهم «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» ومن هنا يظهر ضلال من يدعو إلى العروبة وهو لا يتصف بشيء من خصائصها المفضلة.