الصفحة 53 من 56

شرك مخرج من الملة، وقد بينا حال المجلس والنظر إليه من جهة الشرع، والتفصيل لمسألة البدع إرجع إلى كتاب الاعتصام للشاطبي ففيه فوائد كثيرة].

ثم يذكر الشاطبي العمل المخالف مع الجهل بالمخالفة مع نية الموافقة، يذكر تعارض العلماء بين اعتباره وعدم اعتباره، ويذكر الرأي الوسط الذي يرجحه، وهو اعتباره من جهة النية برفع المؤاخذة، وعدم اعتباره من جهة المخالفة بعدم تصحيح العمل، لذا نقول: على المسلم أن يدرس كل عمل يقوم به، دراسة شرعية مستفيضة متأنية بغرض إصابة الحق والعمل به، ولا تكون أعماله كردود الفعل السريعة، أو مشابهة لأعمال أهل الباطل، تابعة لهم حذو القذة بالقذة، وكثيرًا ما نسمع: إن النصارى يفعلون كذا، مدارس في الكنائس فلنفعل مثلهم -كذا بلا دراسة أو ضبط، وهكذا نقلد دعوات أهل الباطل، وكأن قوله صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة -اليهود والنصارى"الحديث، واقعًا في حالنا في المتجدد من الأفعال، كما فسره العلماء فيما سبق لهم فعله، نعوذ بالله تعالى من الخذلان.

(16) - فإذا سألتني: ما العمل إذن في هذا الموقف؟ قلت لك: على الخبير سقطت، فإن الأمور إن اتبع فيها الشرع من أصلها وجدت لمشاكلها حلًا شرعيًا، وإن خالفتَ في مبادئ خولفت معك النتائج، وتلمست لها حلولًا باطلة، والأصل أن الطريق دعوة وجهاد، إعلان دعوة التوحيد، وإظهار الحق، ومحاربة الشرك، والسعي لتطهير معتقد الناس، وتصحيح أعمالهم بلا مداهنة ولا ترخص، بل تجرد للحق وثبات عليه، وتحمل للابتلاء، حتى إذا ما استفاض البلاغ، وقامت الحجة، وثبت المؤمنون والمعاندون وانكشف المنافقون، هنالك ينصر الله جنده المجاهدين، ويقذف في قلوب عدوهم الرعب، فريقًا نقتله، ونأسر فريقًا، والله على كل شيء قدير، تلك هي دعوة الرسل لا الانشغال بالأمور الجانبية، من الهتافات والمهرجانات والندوات.

* فإن قلتَ لي: إن الطريق التي ذكرت تسبب لنا أذى وفتنة، وقد حذرتني من التعرض للفتنة من قبل، قلتُ لك: ليست تلك كهذه، بل الفتنة الأولى جاءت بمخالفة الشرع فهي من عندك، والأخرى ابتلاء من عند الله وسنة متبعة مع أهل الحق، (وتفصيل الفرق بين الفتنتين يحتاج إلى تطويل وأدلة فيها فوائد جميلة، ندعو الله أن يعيننا على نشرها بعد) ، فإن كنت منهم فواجب عليك الصبر على تلك المشقة، فهي تكليف عادي في حق المؤمنين.

* ذكر الشاطبي في الموافقات أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنها دفع للتكليف واستدل بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) ذلك بعد قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) ويبين الشاطبي أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد، ويبين أن العمل الواحد لها طرفان وواسطة، فحيث يقول تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) ثم قال: (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) كان هذا موضع شدة لأنه يقتضي ألاّ رخصة في التخلف أصلًا، ولكنه محمول على أقصى الثقل الذي يمكن إتيانه، وبين أنه اجتمع في غزوة تبوك: الحر وبعد الشقة زائدًا على مفارقة الظلال وطيب الثمار، وذلك زائد على المشقة في الغزو لا يخرج الأمر على المعتاد (نقول: وقد آخذ الرسول صلى الله عليه وسلم المخلفين في تلك الغزوة، وكانت سببًا لفضح المنافقين، وارجع لتفسير سورة براءة) ولذلك لم يقع فيه رخصة، وقد قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) انتهى من الموافقات بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت