الصفحة 2 من 4

ومن أطلق هذه العبارة"لا نكفر بذنب"، فإنَّما أراد المعنى الخاصَّ للذنب، وهو الكبائر التي لا تبلغ الشركَ، كما قال شيخ الإسلام [7/ 302] : (ونحنُ إذا قُلنا أهل السُّنَّة متّفقون على أنه لا يكفر بالذنب؛ فإنَّما نُريد به المعاصي كالزنا، والشرب) .

وقال أبو الحسن الأشعري في المقالات [1/ 347] حاكيًا مذهب أهل الحديث: (ولا يُكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ، كنحو الزِّنا والسَّرقة، وما أشْبَهَ ذلك من الكبائرِ) .

ومن مذهب الخَوارِج، تكفِيرُ عليِّ بن أبي طالبٍ وخلعُهُ بأن حكَّم الرجال في دين الله، وكانوا يحتجُّون بقوله تعالى:"إن الحكم إلا لله"، ولو تأمَّلتَ ما وَقَع لهم، وجدتَه من أبينِ الأدلةِ على أنَّ عليًّا ومن معه من الصحابة والتابعين، لم يكونوا يُخالفُون الخوارج في كُفر من نازع الله الحكم، بل كلُّ اختلافِهِم، في كون التَّحكيم نفسه مُخالفًا لقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} ، ومن يدَّعي أنَّ الواقع من مُكفِّري الحكَّام اليوم كالواقع من الخوارج، يلزمُه اتَّهامُ عليٍّ أنَّه حكم بغير ما أنزل الله، ولا ريبَ أن الحقَّ مع علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، فإنَّ من حكَّم من يحكم بحكم الله، أو يُصلحُ بما لا يُخالف شرع الله، ليس منازعًا لله في الحكم أصلًا، بل الَّذِي فعلَهُ عينُ حُكم الله في المسألة.

والخلاف بين عليٍّ والخوارج، إنَّما هو في كون الصورة الواقعة حكمًا بغير ما أنزل الله، فخلافُهم كما لو نهى رجلٌ عن التداوي عند طبيبٍ، وادّعى أنَّهُ يُخالف قوله تعالى: {وإذا مرضتُ فهو يشفين} ، وقال؛ إنَّ المستغيث بالطبيب يعبده من دون الله، فهو كافرٌ، فقال من يردُّ عليه، بل التداوي سببٌ مباحٌ، وهو طريقٌ جعله الله يُجري به الشِّفاء، فالتداوي حقيقةً من اللجوء إلى الله، والتماسِ الشِّفاء منه بالطريق الذي أعلمَنَاه، وبيَّن له أنَّ العبادة تكون إذا طلبَ من غائبٍ أو ميتٍ، أو من حاضرٍ ما لا يقدرُ عليه إلا الله.

فلو جاء ثالثٌ، فادّعى أن الخلاف بينهما هو في كفر المستغيثِ بغير الله، لكان أجهل من حمار أهله، لأنّ الطرفين اتّفقا على كفر المستغيث بغير الله، ولكنَّ من كفّر المتداوي، أخطأ في فهم تلك الصورة، وألحقها بالاستغاثة بغير الله.

وكذا في الحكم بغير ما أنزل الله، فإنَّ الخوارج وعليًّا -رضي الله عنه- لم يختلفوا في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله فيما نُقل عنهم، وإنَّما خلافهم فيما فعله عليٌّ هل هو من الحكم بغير ما أنزل الله أم لا؟

ولذا لا تجد عبارة لا لعلي ولا لغيره في الرد على الخوارج يوم ذاك، يُنازعونهم في كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بمعناه، مع أنَّها أصلُ مسألة النِّزاع على حدِّ زعمِ المُدَّعي، وما وقع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت