الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أمّا بعد ...
فقد وقع البحث الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) ، فصرح بعض الحاضرين بأن القحطانيّ المذكور في هذا الحديث هو محمد بن رشيد الذي خرج في آواخر المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة، وعظمت شوكته وانتشرت دولته في أوائل المائة الرابعة، واستولى على كثير من البلدان النجدية، وقهر جماعات من أهل البادية، حتى استسلم لأمره كثير ٌ من أهل نجد واليمامة أو أكثرهم.
فسألني بعض الخواص ...
هل يسوغ القول بما قاله القائل؟ وهل ينبغي الجزم به أم لا؟
ثم بلغني عن بعض الإخوان أنه نسب هذا إلى صديق حسن الهندي، وأنه نقل عن صديق أنّ الحديث يفيد أنّ القحطاني المذكور في الحديث مسلم وليس بمؤمن، فعنَّ لي أن أذكر بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم على هذا الحديث، مع كلمات يسيرهة يستفيد بها السائل، وإن كنت لست أهلًا لذلك، لقلة العلم وعدم وجود من أستفيد منه من أهل التحقيق، ولأن الكلام على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مما يحجم عنه الجهابذة الفحول، فكيف بمن هو مزجي البضاعة قاصر الباع، وإني لمعترف والصدق منجاة؛ لأن طلب الفائدة ممَّن هو مثلي من عجائب الدهر، ولكن الضرورة قد تلجأ إلى أعظم من ذلك،
فأقول في الجواب:
اعلم أن قول القائل إنّ القحطانيّ المذكور في الحديث هو الرجل الذي وصفناه، لا شك أنه تعيين لمراد المعصوم صلى الله عليه وسلم وتبين لمقصود، وهذا مفتقرُ إلى أحد شيئين:
الأول: النقل الثابت عنه صلى الله عليه وسلم برواية الثقات ونقل العدول المعتبرين عند أهل النقل بالتنصيص على المقصود بكلامه أنه هذا الرحل بيعنه، وهذا مما لا سبيل إليه البتة.
الثاني: وجود القرآئن وقيام الشواهد الدالّة على أنّ المراد بقوله صلى الله عليه وسلم هو هذا، ولكن لا يطلع عليها إلاّ من حصل على المعرفة التامّة بمدلول لفظ الحديث، وضم إلى ذلك النظر في سيرة هذا الذي يدَّعي أنَّه المقصود، واعتبار حاله وما كان عليه.
وأمَّا الجزم بالتعيين مع تخلف العلم بمدلول اللفظ، أو وجود بعض الاحتمالات التي يتعذر معها الجزم بالمفهوم، أو عدم اعتبار حال المدعي أنه المراد، والإعراض عن التفتيش في سيرته، فلا يخفى بعده عن المعلم المفيد عند أهل المعرفة.
وإذا عرف هذا، فنقول:
قال بعض أهل العلم في معنى الحديث؛ هو كناية عن استقامة الناس وانقياد له، واتفاقهم عليه، قال: إلاّ أن ذكرها - يعني العصا - دليل على عسفه لهم وخشونته عليهم.
وقال بعضهم: هو حقيقة أو مجاز عن القهر والضرب، ونقل محمد طاهر الهندي في"شرح المصابيح": (أنه عبارة عن التسخير) انتهى.
فظهر بهذا إنَّ المذكور في الحديث يكون له تسلط على الناس، حتى يقهر ويستولى عليهم، كاستيلاء الراعي على غنمه، بحيث لا يتخلف أحد من رعيته عن طاعته.
وتأمَّل ما وقع من كثير من الناس من التخلف عن متابعة هذا الأمير، والخروج عن طاعته والعصيان لأمره، وعرف ما قاله العلماء في معنى الحديث، أوجب له التوقف فيما قاله هؤلاء، والانكفاف عما أقدموا عليه.
هذا لو لم ينقل في شأن القحطاني إلاَّ هذا، فكيف وقد قال القرطبي: (يجوز أن يكون القحطاني هو الجهجاه المذكور في الحديث الذي رواه مسلم) .
يشير إلى حديث أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له الجهجاه) .
ونقل في بعض الأخبار أن خروج القحطانيّ بعد المهدي، كما سيأتي بيانه.
وأمَّا إسلام القحطاني أو إيمانه، فليس في حديث الصحيحين تعرُّضُ لذلك، وقد تقدم الحديث ولفظه: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) ، وليس في هذا ما يدل على إسلامه ولا إيمانه، كما أنه لا يدل على كفره ولا نفقه، بل هذا خبرُ مجرد كإخباره صلى الله عليه وسلم بالجهجاه.
وهذا من أنباء الغيب التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم، كما أخبر بالفتن والملاحم والدخان والملاحم والدخان والدابة، وخروج الدجال وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما سيكون.
نعم إن ثبت ما روي أنَّ خروج القحطاني يكون بعد المهدي، وأنه يسير سيرة المهدي، فلا شك أنه من أهل الإسلامي والإيمان، ومن الدعاة إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد وردت أحاديث تدل على خروج المهدي وحكمه بالقسط والعدل، وهي مذكورة في سنن أبي داود وابن ماجة وغيرهما، منها حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّله الله حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملا الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجورًا) .
وقد ورد حديث فيه: (لامهدي إلا عيسى ابن مريم) .
قال شيخ الشافعي عن شيخ من اليمن: (ولا يقوم بإسناده حجة) .
وقال الذهبي في"الميزان": (يونس ابن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي، روى عن ابن عيينة وابن وهب، وعنه ابن خزيمة وأبو عوانة وخلق، وثقه أبو حاتم وغيره، ونعتوه بالحفظ والعقل، إلاّ أنَّه تفرَّد عن الشافعي بذلك الحديث؛"لا مهدي إلاَّ ابن مريم"، وهو منكر جدًا) انتهى.
وقال صديق في"عون الباري"بعد ذكر حديث القحطاني: (يكون بعد المهدي ويسير على سيرته، رواه أبو نعيم ابن حماد في الفتن) انتهى.
فإن ثبت هذا، فهو يدلّ مع أحاديث المهدي على تأخر خروج القحطاني، وأنه لا يخرج إلاّ بعد خروج المهدي، وأنه على سيرة حسنة وحالة مرضية، لا كما نُقل عن البعض أنَّ حديث الصحيحين يدل على أنه مسلم وليس بمؤمن، فإن الحديث لا يدل على ذلك، لا بمنطوقه ولا بمفهومه. فإن كان صديق قال ذلك فلا يخفى ما فيه.
وكذلك النقل عن صديق أنه قال: (أقرب ما يكون القحطاني المذكور في الحديث أنه محمد بن رشيد) ، في ثبوته نظر؛ فقد قدمنا في هذا جزم صديق في كتابه بأنَّ خروج القحطاني يكون بعد خروج المهديّ، واستدلاله على ذلك بما رواه أبو نعيم، فكيف يتفق هذا وذاك
ولا شك في عدم ثبوت هذه المقالة عمنَّ أخذ عن صديق وسمع كلامه، فلذلك أقول: ينبغي أن ينظر في نقل هذا عن صاحبنا الذي نقل عن صديق.
وعلى تقدير ثبوت هذا، فهو قولٌ مجرَّدٌ عن الدليل، مناقض لما قرَّره هو واستدلَّ عليه، كما عرفناك قريبًا، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} .
والله أعلم
الشيخ سعد بن حمد بن عتيق رحمه الله
المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق/ص63