ابن كثير شخَّص لنا حال الأمة بعد القرون الأولى قائلًا:"وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلاطات والاختلافات بين الملوك؛ طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يُمانَعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانًا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثيرٍ من بلاد الإسلام، -ولله الأمر من قبل ومن بعد-."
فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسؤول المأمول أن يمكِّن المسلمين من نواصي أعداءه الكافرين، وأن يُعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم"."
إذًا هكذا ابن كثير يتكلم عن قضية: أن النقاء كان سائرًا في ذلك الوقت، وكانت العقيدة واضحة، والأمة في لُحمة واحدة من الناحية العقدية، فلما ظهرت بينهم الاختلافات؛ طمع فيهم أعداء الأمة، وأخذوا بعض البلاد، وانتهزوا هذه الفرص. ولكن نقول استمر ذلك، ونعتبر الخط الفاصل في هذا التمييع وبداية الخلل كانت في عصر الخليفة المأمون؛ لأن الخليفة المأمون في ذلك الوقت -الخليفة المأمون هو ابن الخليفة هارون الرشيد-، ولكن المأمون تربى على انحراف عقدي لأنه تأثر بالشيعة الزيدية، وحدث ما حدث بينه وبين أخيه المأمون، وإلى سنة 218 ه الخليفة المأمون قبل وفاته بقليل لما قرّب القاضي ابن أبي دؤاد الذي أحدث هذه الفتن والابتلاءات في مسألة خلق القرآن، وتبنّت الدولة بعد ذلك فكر المعتزلة، وضيّقوا على علماء السلف وعلماء السنة في ذلك الوقت، وامتحنوهم وقُتل من قتل، كانت ملحمةً كبيرةً حزينةً في ذلك الوقت، بدأت في آخر عهد الخليفة المأمون.
وفي عهده أيضًا بدأوا ما يُسمى الترجمة؛ لأنه قرب في بلاطه هؤلاء العلماء من الفرس ومن غيرهم من الروم، فترجموا له كتب فلاسفة اليونان، وأيضًا ترجموا بعض الكتب القديمة عند الهنود وعند الصين، وافتتح مكتبة تُسمى"مكتبة الحكمة"، وجلب كل هذه الكتب التي دمّرت وأحدثت هذا الخراب فيما بعد، وهي كتب