2)اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينًا جازمًا بمدلول كلمة التوحيد، لأنها لا تقبل شكًا، ولا ظنًا، ولا ترددًا ولا ارتيابًا، بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم.
فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15] ، فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب، والبعد عن الشد، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم، قال الله تعالى: {إنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة:45] .
وقد سبق آنفًا حديثان في ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيهما: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) ، وفي رواية: (فيحجب عن الجنة) ، (ومن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه ... ) .
3)وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق الشرط الثالث وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان: فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرًا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكبر أو العناد أو الحسد، وقد قال الله سبحانه وتعالى عن الكفار الذين ردوها استكبارًا {إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ؟} [الصافات:35 - 36] .
أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله تعالى، وعدًا منه، لا يخلف الله وعده: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ} [يونس:103] ، وهم أصحاب المثل الطيب، الذين ينتفعون بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من الهدى والعلم.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) [15] .
4)أما الشرط الرابع؛ الانقياد للتوحيد الذي دلت عليه هذه الكلمة العظيمة: انقيادًا تامًا، وهذا الانقياد والخضوع هو المحك الحقيقي للإيمان وهو المظهر العملي له.
ويتحقق هذا ويحصل بالعمل بما شرعه الله تعالى، وبترك ما نهى عنه، وذلك هو الإسلام حقيقة، إذ هو؛ أن يسلم العبد ويستسلم بقلبه وجوارحه لله تعالى، وينقاد له بالتوحيد والطاعة، كما قال سبحانه: {ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} [لقمان:22] .