[الكاتب: محمد خليل هرَّاس]
إذا كان توحيد الأسماء والصفات يقوم على أن الله سبحانه مختص بما له من الأسماء والصفات، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وعلى وجوب إثبات كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تعطيل. فإن هناك قواعد عامة في هذا الباب يجب رعايتها حتى نكون بمنجاة من التورط في ورطات الضلال التي وقعت فيها الفرق المختلفة؛
• فمنهم من غلا في الإثبات حتى مثل الله بخلقه، ووقع في حمأة التشبيه.
• ومنهم من غلا في النفي والتعطيل حتى أدى به ذلك إلى جحد الذات نفسها واعتبارها عدمًا لا وجود له. ومنهم من أثبت الأسماء دون الصفات تحكما بلا دليل.
•ومنهم من أثبت بعض الصفات دون بعض، جريًا وراء وهم فارغ لا أصل له.
ولم يكن لهذا الضلال كله من سبب؛ إلا الإعراض عن هدي الكتاب والسنة، والتصرف في نصوصهما بالتأويلات الفاسدة، والجري وراء الظنون الكاذبة، بدعوى أنها عقليات لا تقبل النقض والقول على الله سبحانه بلا علم.
أما تلك القواعد والأسس التي تجب ملاحظتها في هذا الباب فهي:
أولا: لا يصح أن يسمى الله عز وجل إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يوصف كذلك إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن أسماء الله تعالى كلها توقيفية لا يجوز إطلاق شيء منها على الله في الإثبات أو في النفي إلا بإذن من الشرع.
وما لم يصرح الشرع بنفيه ولا بإثباته يجب التوقف فيه حتى يعلم ما يريد به قائله، فإن أراد به معنى صحيحًا موافقًا لما ورد به النص قُبِل ولكن لا يعبر عنه إلا بألفاظ النصوص ولا يعدل عنها إلا لضرورة، وإن أراد به معنى فاسدًا وجب رده، والأصل في ذلك أن معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته، هي من شئون الغيب التي لا سبيل إلى إدراكها بالعقل وحده، فإن العقل لا يتجاوز بقدرته نطاق هذا الوجود الحسي الذي يمكن أن ينفذ إليه من طريق الحواس. أما شئون الغيب فلا مجال له أن يحكم عليها بمقتضى أقيسته وبراهينه. وإنما وظيفته أن ينظر فيما جاءت به النصوص من أخبار هذه الغيوب فيثبت ما أثبتته النصوص وينفي ما نفته، من غير أن يضيف من عنده شيئًا لا في الإثبات ولا في النفي. ومهما توهم العقل أن صفة ما هي صفة كمال، لا يجوز له إثباتها ما لم تكن ثابتة بالشرع، ومهما توهم أن صفة ما هي صفة نقص لا يجوز له نفيها ما لم تكن منفية بالشرع، إذ لا عبرة في هذا الباب بوهم العقل فإنه قد أدى في كثير من الأحوال إلى نفي كثير من صفات الكمال في الكتاب والسنة.
ثانيا: يجب أن يكون معلوما أن الله عز وجل لا يماثل شيئا من خلقه ولا يماثله شيء، فكل ما ثبت له من الأسماء والصفات فمعناه يختص به لا يشاركه فيه أحد.
نعم قد يكون هناك أسماء مشتركة بين الله وبين خلقه أو بين صفاته وصفات خلقه، فهذه يجب أن لا توهم تشابها في المسمى. لأن الاشتراك إنما هو في محض الاسم وفي القدر المشترك الذي يدل عليه عند الإطلاق، وذلك لا يوجب مماثلة أصلا بين الله عز وجل وبين من يسمى بهذه الأسماء أو يوصف بهذه الصفات من المخلوقين.
فتسمية الله تعالى قادرا لا توجب مماثلة قدرة الله لقدرة العبد، وكذا تسميته عالما ومريدا وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما وغير ذلك من أسمائه الحسنى التي قد تطلق على غيره لا توجب أن علمهم كعلمه ولا إرادتهم كإرادته ولا حياتهم كحياته .. إلخ.
والأصل في ذلك أن ما يوصف به العباد إنما يتعين ويتخصص بالإضافة فإن أضيف إلى الله كان معنى مختصًا به لا يليق بغيره، وإن أضيف إلى المخلوق كان معنى مختصا به يتنزه الله عز وجل عن الاتصاف به.
وفي تقرير هذه القاعدة على هذا الوجه حل لإشكالات كثيرة، فإن الذين نفوا عن الله عز وجل ما يطلق على خلقه من الأسماء والصفات وتأولوا ما ورد فيها من الآيات والأحاديث، إنما فعلوا ذلك لتوهمهم أن إثبات هذه الصفات يقتضي المماثلة بين الله وخلقه فعطلوا خوف التشبيه. ولو أنهم أدركوا أن لهذه الألفاظ إذا أطلقت على الله معاني أخرى غير التي تناسب المخلوق، لما وقعوا في حمأة التعطيل، ولكن من يضلل الله فما له من سبيل.