الصفحة 2 من 2

وحذر يزيد بن هارون من الجهمية فقال: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي) .

وقال وكيع: (لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل) .

وعن يحيى بن أيوب قال: قال ابن المبارك: (كل قوم يعرفون ما يعبدون إلا الجهمية) .

وذكر البخاري حديث جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم؛"إنكم راؤون ربكم"، فقال يزيد: (من كذب بهذا فهو بريء من الله ورسوله) .

ثم ذكر الإمام البخاري أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت فيها أن القرآن كلام الله، منها حديث جابر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف فقال:"ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريش قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) ."

وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة لأنهم شبهوا ربهم بالصنم، والأصم، والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق.

وفي باب"أفعال العباد": ذكر الإمام البخاري آثار وأحاديث عن الصحابة والتابعين وأقوال العلماء في أن أفعال العباد مخلوقة، وأن للإنسان فعل قائم به يثاب أو يعاقب عليه، وأنها غير أفعال الله، وليس كما تزعم الجهمية الذين قالوا؛ إن الأفاعيل كلها من الله وأنه ليس للإنسان فعلٌ أصلا وأنه مجبور على أفعاله، أو القدرية النفاة الذين أنكروا علم الله وقالوا؛ إن الإنسان هو خالق أفعال نفسه.

وذكر حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته) ، وتلا بعضهم عند ذلك قوله تعالى {والله خلقكم وما تعملون} ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.

وعن طاووس اليماني قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولون؛ كل شيء بقدر، وسمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول؛ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس") .

وعن يحيى بن سعيد قال: (ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون؛ إن أفعال العباد مخلوقة) .

قال أبو عبد الله: (حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب الموعي في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله؛ {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} ) .

وفي باب"الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل": قال الإمام البخاري: (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بمخلوق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة) .

وفي باب"قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة بالجهر": أراد الإمام البخاري من هذا الباب إثبات أن قراءة القارئ وتلاوته غير المقروء والمتلو.

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا في الجنة سمعت صوت رجل بالقرآن) ، فبين أن الصوت غير القرآن.

فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} هو قرآن، وكذلك جميع القرآن هو قوله، والقول صفة القائل موصوف به، فالقرآن قول الله عز وجل، والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق لقوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} ، وقال: {إن الذين يتلون كتاب الله} .

ثم ختم كتابه بباب"قوله تعالى {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} "، يثبت الإمام البخاري أن التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء وأتى بآثار وأحاديث الباب.

قلت: قبل زمن البخاري لم يتكلم أحد بتفصيل في قول القائل"لفظي بالقرآن مخلوق"، حتى قال الإمام البخاري بالتفصيل، فقال عندما سئل عن قول القائل"لفظي بالقرآن مخلوق"؟ قال: (القرآن كلام الله وأفعالنا مخلوقة) ، وامْتُحِن في ذلك وحدث بينه وبين"الذهلي"مناظرة كبيرة وعظيمة في اللفظ، وأصبح قول البخاري في مسألة اللفظ هو القول الصحيح الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة.

قال الإمام ابن القيم في النونية:

وتلاوة القرآن في تعريفها باللام قد يعني بها شيئان

يعني به المتلو فهو كلامه هو غير مخلوق كذي الأكوان

ويراد أفعال العباد كصوتهم وأدائهم وكلاهما خلقان

هذا الذي نصت عليه أئمة الإسـ ـلام أهل العلم والعرفان

وهو الذي قصد البخاري الرضى لكن تقاصر قاصر الأذهان

والحمد لله رب العالمين

[إعداد: علاء خضر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت