الصفحة 21 من 37

نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقِد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقلُّ في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض )) [1] .

وقال الكلاباذي [2] : (( أجمعوا على إباحة المكاسب من الحِرف والتجارات والحرث، وغير ذلك مما أباحته الشريعة عن تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات ) ) [3] .

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان.

فكان من جوابه: (( هذا القائل الذي قال: أكل الحلال معتذر، لا يمكن وجوده في هذا الزمان غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الإسلام، فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل النسك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك، حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة [4] إلى أن قال: ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر، وبناء على هذه الشبهة الفاسدة، وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود الفاسدة ولم يتميَّز الحلال من الحرام.

ووقعت مثل هذه الشبهة عند طائفة من مصنفي الفقهاء، فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة، وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع .. )) [5] .

(1) الفتوى الحمودية لابن تيمية ص 458.

(2) أبو بكر محمد بن إبراهيم الكلاباذي البخاري، كان حنفيًا في الفقه، وصوفي المسلك، له عدة مؤلفات، توفي سنة 380هـ. انظر الأعلام للزركلي 5/ 295، ومعجم المؤلفين 8/ 212.

(3) التعرف لمذهب أهل التصوف ص 102، 103.

(4) انظر تفصيل ذلك في كتاب الحث على التجارة للخلال.

(5) مجموع الفتاوى 29/ 311، 3121 = باختصار، وانظر 29/ 593.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت