الصفحة 1 من 11

بسم الله الرحمن الرحيم

ما كان لشعيرةِ الولاء والبراء أن تُندس وتضعفُ في واقع الكثيرِ من المسلمين إلاَّ بسبب ضعفِ عبوديتهم ومحبتهم لله تعالى؛ فإنَّ عبادةَ اللهِ ومحبتهِ هي الأصلُ، ويتفرعُ عنها الحبُّ والولاءُ في الله، والبغضُ والبراءُ في الله تعالى؛ فكلَّما كان الشخصُ أكملَ عبوديةً ومحبةً لله تعالى، كان أكثرَ تحقيقًا للولاءِ والبراء.

ولمَّا غلبَ على الكثيرِ الولعُ بالشهوات- من الأموالِ والنساءِ والمناصب - وأُشربوا حبّ الهوى، صاروا يوالون على حسبِ أهوائِهم وعقولهم المعيشية؛ فضعفت عبوديتهم للهِ تعالى، بسببِ الانهماكِ في تلك المحبوبات والشهوات، فزاحمت عبوديةَ الله تعالى ومحبتهُ، ومن ثمََّ ضعُفَ حبُّهم في اللهِ تعالى، وبغضُهم في الله؛ فالحبُّ في اللهِ والغضُ في الله، ولوازمهُما متفرعٌ عن حبِّ الله تعالى وعبادته.

وكما يقولُ العلامةُ عبد الرحمن السعدي: (أصلُ التوحيدِ وروحهُ إخلاصُ المحبةِ لله وحده، وهي أصلُ التألُّهِ والتعبدِ له؛ بل هي حقيقةُ العبادة، ولا يتمُّ التوحيدُ حتى تكتملُ محبةُ العبدِ لربّه، وتسبقُ محبتهُ جميعُ المحابِّ وتغلِبها، ويكونُ لها الحكمُ عليها، بحيثُ تكونُ سائر محابِ العبد تبعًا لهذه المحبةِ التي تكونُ سعادةُ العبدِ وفلاحهُ، ومن تفريعها وتكميلها الحبُّ في الله؛ فيحبُ العبدُ ما يحبهُ اللهُ من الأعمالِ والأشخاص، ويبغضُ ما يبغضهُ اللهُ من الأشخاصِ والأعمال، ويوالي أولياءهُ، ويعادي أعداءهُ، وبذلك يكمُلُ إيمانُ العبدِ وتوحيده) [1] .

ولما كان الخليلانِ (إبراهيمُ ونبيُنا محمد عليهما الصلاةُ والسلام) أكملُ الناسِ عبادةً لله تعالى، حتى خصّا بمرتبة الخلّة، كانا أكملَ وأعظَ الناسِ تحقيقًا للولاءِ والبراء. قال تعالى: (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) (النحل:120) .وقال عز وجل: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) ) (الممتحنة:4)

(1) - القول السديد ص 110، 111

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت