تتصور أي معاملة تحصل دون وجود شخص آخر حتى الكفالة، والوعد بجائزة، وعقود التأمين لمصلحة الغير والسند لحامله، وكان المذهب الثاني غير واقع هذا بالنسبة لنشوء فكرة الالتزام.
أما بالنسبة لتعريف الالتزام؛ فقد وجدت له عدّة تعاريف وكلّها تدور حول جعل محل الالتزام إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، فقد عرّف الالتزام بأنه: (اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحو شخص آخر أو أكثر بإعطاء شيء أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل) ، وهذا يعني جعل الالتزام اتفاقًا، وهذا التعريف لا يشمل المعاملات التي لا يوجد فيها اتفاق، وعرّف الالتزام بأنه: (حالة قانونية بمقتضاها يجب على الشخص أن ينقل حقًا عينيًا أو أن يقوم بعمل أو أن يمتنع عن عمل) ، وهذا التعريف جعل الالتزام حالة قانونية مع أن حقيقته هو علاقة يقرّها القانون، فتعريفه بحالة قانونية يجعله فضفاضًا غير مانع من دخول حالات قانونية لا صلة لها بالالتزام.
هذه خلاصة الالتزام بوجه عام، وهذا كله خطأ محض؛ إذ لا يوجد في الموضوع التزام لا بالمعنى الشخصي ولا بالمعنى المادي، لأن المسألة ليست رابطة بين دائن ومدين ولا يوجد هذه الرابطة مطلقًا، ولا هي رابطة بين شخص ومال أو سلطة لشخص على مال مطلقًا، وإنما الموضوع يتلخص في أن هناك علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة، وقد تكون مالًا وقد تكون غير مال، وقد تكون العلاقة عند الإنشاء وقد تكون عند التنفيذ، وهذه العلاقة يوجدها جلب مصلحة أو رفع مفسدة للإنسان، وينظمها القانون فالبيع علاقة بين شخصين عند الإنشاء موضوعها المال، والوعد بإعطاء جائزة لمن عثر على ضائع علاقة بين شخصين عند التنفيذ موضوعها المال، والزواج علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة وهي هنا ليست المال.
وعلى ذلك فالالتزام بالمفهوم الذي ذكره القانون المدني غير موجود لا بالمذهب الشخصي ولا بالمذهب المادي، والالتزام من حيث هو بالمعنى الذي أرادوه - وهو الحقوق الشخصية - غير موجودة، وعلى ذلك ليست المعاملات سلطة من شخص على مال، ولا هي رابطة شخصين، وإنما هي علاقة بين شخصين موضوعها المصلحة التي يقرّها القانون، وينطبق ذلك على المعاملات التي تحصل بين شخصين عند الإنشاء كالإجازة أو بين شخصين عند التنفيذ كالوعد بجائزة لمن يقوم بعمل، وإذا كان الأمر كذلك كان الالتزام بأكمله غير موجود فضلًا عن كونه بالمعنى الذي أوردوه غير صحيح لا فيما ورد بالمذهب الشخصي ولا فيما ورد بالمذهب المادي، ولذلك كان القانون المدني ترتب على الالتزام وبني عليه قانونا غير صحيح.