فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 10

وهكذا كان لنشوء أفكار عن الحياة تخالف الأفكار القديمة أثر في بيان نظرية الالتزام ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كان استعمالها مختلف الآلات الميكانيكية وتقدم الصناعة ووجود حروب عالمية قد أوجد مسائل عملية تبرز فساد نظرية الالتزام، إذ إن استعمال الآلات اقترن بمخاطر جمة يستهدف لها الناس ولم تكن نظرية الالتزام تجعل المسؤولية إلا على الشخص، فظهر عدم صلاحيتها ووضعت المسؤولية على الخطأ المفروض، وصار إلحاق أي أذى في العامل يلزم صاحب العمل بالتعويض وهذا لا تقتضي به نظرية الالتزام، وصار عقد التأمين لا يقتصر على الشخص بل يشمل الغير فوجدت نظرية الاشتراط لمصلحة الغير، كما إذا أمّن شخص على حياته لمصلحة أولاده سواء أكان له أولاد وقت التأمين أم لم يكن له أولاد حين التأمين، وهذا يخالف نظرية الالتزام بأنها رابطة بين شخصين، والأولاد الذين لم يوجدوا لا يدخلون في هذه الرابطة مع أن العقد أصبح يدخلهم، وعلاوة على ذلك فإن نظرية الوفاء بعملة نقص سعرها، وفي التسعير الجبري للسلع والتقدير الجبري للأجر، وفي عقود التزام المرافق العامة ما يناقض نظرية الالتزام ومع ذلك أدخلت في القوانين الحديثة وهي تدل على فساد نظرية الالتزام وعدم صلاحها، وزيادة على ذلك فإن النظرية التي تقضي بأن الغش يفسد العقد، والقاعدة القائلة بأنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف الآداب، والنظام العام والالتزام بوجوب الامتناع عن الإضرار بالغير دون حق والإثراء بلا سبب الذي يمنع الشخص أن ينتفع على حساب غيره، كل ذلك يخالف نظرية الالتزام ويدل على فسادها لأنها تقييد وليس حرية، وهي تناقض الحق الشخصي وتهدمه على اعتبار أنه حق مطلق غير مقيد على أن الالتزام من حيث هو باعتباره الحق الشخصي، وباعتباره الحق العيني يقوم على رابطة قانونية بين الدائن والمدين توجب على الشخص أن ينقل حقا، وهذا يعني عدم اشتراط الرضا بالحوالة دون رضا المحال عليه بحوالة الحق، وعدم اشتراط رضا الدائن بحوالة الدين، لأن الحالة القانونية في الالتزام تلزم الشخص بنقل الحق عينًا أو دينًا، وهذا لا يضمن تحقيق العدل ولذلك ظهر فساده، فمجرد تبليغ المحال عليه لا يكفي بل لابد من قبوله لأن العقد في الحوالة - كما في غيرها - يجب أن تكون برضا أطراف العقد.

هذا إجمال في نظرية الالتزام، ومنه يتبين أنها لا تصلح ميدانًا للتفكير لأن كثيرًا من أنواع العلاقات بين بني الإنسان لا يمكن استنباطها منها بل على العكس هي تمنع استنباطها مثل كون الغش يفسد العقد وهي لا تصلح لأن تكون مجالًا للتعميم لأن المسؤولية على الخطأ المفروض وحوالة الدين، والاشتراط لمصلحة الغير والإرادة المنفردة وما شابه ذلك لا يمكن أن تشملها لا بمنطوق ولا بمفهوم، ولذلك فهي قاصرة وهي لا تصلح لا نبات قواعد عامة بدليل وجود نظريات وقواعد عامة تناقضها مثل قاعدة عدم جواز الاتفاق على ما يخالف الآداب والنظام العام، ومثل نظرية الغبن في العقود وليس فيها قابلية للتوحيد في شرائع الأمم بدليل ظهور قصورها وعجزها حين ظهرت النظريات الاشتراكية، رغم كونها فاسدة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت