فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 42

بَيْن يَدَيْ السُّورَة

*سورة يوسف إحدى السور المكية التي تناولت قصص الأنبياء، وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله"يوسف بن يعقوب"وما لاقاه عليه السلام من أنواع البلاء، ومن ضروب المحن والشدائد، من إخوته ومن الآخرين، في بيت عزيز مصر، وفي السجن، وفي تآمر النسوة، حتى نجاه الله من ذلك الضيق، والمقصودُ بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بما مرَّ عليه من الكرب والشدة، وما لاقاه من أذى القريب والبعيد.

* سورة يوسف مكية، نزلت بعد سورة يونس وعدد آياتها إحدى عشرة و مائة

وهذا يبين لنا المدة الحرجة التي نزلت فيها السورة، وبالأخص إذا علمنا أن وقت نزولها كان في عام الحزن نزلت سورة يوسف في فترة الحزن على وفاة خديجة-رضي الله عنها-وأبي طالب-عم النبي ?-الذي كان يحميه، وهي فترة اشتدّ فيها أذى المشركين للنبي ? واجترأوا علي لوفاة عمه، ولم تَعُدْ معه الزوجة الصالحة التي كانت تسلِّيه وتواسيه، فكان بحاجة إلى تسلية تخفف عنه ما يلقاه من الأذى وما يعانيه من الحزن

اشتد فيها أذى قريش، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فقد بلغة الشدة والأذى والابتلاء والتعذيب مبلغها من كفار قريش لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل لمحمد - صلى الله عليه وسلم -

فنزلت هذه السورة تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته، فهي تقول لهم: إن يوسف - عليه السلام - الذي مر بمصائب عظام، وشدائد جسام، ومحن يرقق بعضها بعضًا، قد نجا منها جميعًا، وكانت عاقبته تلك العاقبة الحميدة، فاصبروا كما صبر الرسل، وثقوا بموعود الله لكم، فإنكم بعد هذا البلاء وهذا الأذى ستنتصرون - بإذن الله - ولذلك قال الله - تعالى - في آخرها:"حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ" (يوسف: من الآية 110) .

إن سورة يوسف تقول لخاتم الأنبياء محمد ?:لئن ابتليت بفقد الأبوين فقد ابتلي يوسف بالحرمان منهما، وبحسَد الإخوة،

ولئن ابتليت بفقد الزوجة المؤمنة الحانية، وفقد العم الشفيق، فقد ابتلي يوسف بقعر بئر لا يجد فيها أنيسًا، وبقلوب إخوةٍ لا رحمة فيها وسيارةٍ لا يعنيهم إلا ما يصيبون من الثمن الزهيد،

ولئن ابتليت بالتهم والتشويه فقد اتهم يوسف وسجن بهذه التهم،

ولئن تطلَّعَتْ نفسك إلى النصر والرخاء والتمكين فلا تنس أن ذلك كله ابتلاء، فقد ابتلي يوسف بما تشتهيه النفوس فثبتَ، فَابْقَ أنت على ثباتك حين عَرَضُوا عليك أن يسوِّدوك فلا يقطعوا أمرا دونك، وأن يزوجوك مَنْ أحببتَ من نسائهم وأن يجمعوا لك من أموالهم حتى تكونَ أكثرهم مالًا، كما ثبتَ يوسف حين عُرضتْ عليه الشهوة وحين سُوِّدَ وجُعل على خزائن الأرض، واعلم أن العاقبة لك ولدينك والمؤمنين معك كما كانت العاقبة ليوسف.

*والسورة الكريمة أسلوبٌ فذٌ فريد، في ألفاظها، وتعبيرها، وأدائها، وفي قَصَصها الممتع اللطيف، تسري مع النفس سريان الدم في العروق، وتجري-برقتها وسلاستها- في القلب جريان الروح في الجسد، فهي وإن كانت من السورة المكية، التي تحمل -في الغالب- طابع الإنذار والتهديد، إلا أنها اختلفت عنها في هذا الميدان، فجاءت طريَّةً نَدِيّة، في أسلوب ممتع لطيف، سَلِسٍ رقيق، يحمل جو الأنس والرحمة، والرأفة والحنان،

*هذا هو جوُّ السورة، وهذه إيحاءاتُها ورموزُها .. تُبشِّر بقرب النصر، لمن تمسَّك بالصبر، وسار على طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاء المخلصين، فهي سلوى للقلب، وبلسمٌ للجروح، وقد جرت عادة القرآن الكريم بتكرير القصة في مواطن عديدة، بقصد"العظة والاعتبار"ولكنْ بإيجاز دون توسع، لاستكمال جميع حلقات القصة، وللتشويق إلى سماع الأخبار دون سآمة أو ملل، وأما سورة يوسف فقد ذُكرت حلقاتها هنا متتابعة بإسهاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت