بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر؛ وإنما هو من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر؛ ومع ذلك فقد أعجزهم ..
فهذا أبين في الإعجاز؛ لأنه لو كان في القرآن حروف أخرى لا يتكلم الناس بها لم يكن الإعجاز في ذلك واقعًا؛ لكنه بنفس الحروف التي يتكلم بها الناس. ومع هذا فقد أعجزهم.؛ فالحكمة منها ظهور إعجاز القرآن الكريم في أبلغ ما يكون من العبارة؛ قالوا: ويدل على ذلك أنه ما من سورة افتتحت بهذه الحروف إلا وللقرآن فيها ذكر؛ إلا بعض السور القليلة لم يذكر فيها القرآن؛ لكن ذُكر ما كان من خصائص القرآن:.
فهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره جمع من أهل العلم هو الراجح: أن الحكمة من هذا ظهور إعجاز القرآن في أبلغ صوره، حيث إن القرآن لم يأتِ بجديد من الحروف؛ ومع ذلك فإن أهل اللغة العربية عجزوا عن معارضته وهم البلغاء الفصحاء ..
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان:
أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف.
قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.
ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه.
وذكر ذلك بعدها دائمًا دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق.
قال تعالى في البقرة: {ال م} واتبع ذلك بقوله {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}
وقال في آل عمران {ال م} واتبع ذلك بقوله: {اللَّهُ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} .
وقال في الأعراف: {ال م ص} ثم قال: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} الآية.
وقال في سورة يونس: {ال ر} ثم قال: {تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}
وقال في سورة هود {ال ر} ثم قال: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ،
وقال في يوسف: {ال ر} ثم قال: {تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} {إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} .
وقال في الرعد: {ال م ر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} ،
وقال في سورة إبراهيم {ال ر} ثم قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .
وقال في الحجر: {ال رَ} ثم قال {تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ}
وقال في سورة طه {طه} ثم قال: {مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}
وقال في الشعراء: {طس م} ثم قال {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} .
وقال في النمل: {طس} ثم قال {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ}
وقال في القصص {طس م} ثم قال {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} .
وقال في لقمان {ال ـم} ثم قال {تِلْكَ ءاَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}
وقال في السجدة {ال ـم} ثم قال {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}
وقال في يس {يس} ثم قال {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}
وقال في ص {وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ}
وقال في سورة المؤمن {حم} ثم قال {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} .
وقال في فصلت {حم} ثم قال {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِكِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وقال في الشورى {حم ع س ق} ثم قال {كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ}
وقال في الزخرف {حم} ثم قال {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِإِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}