حتى صار الناس جميعا يستطيعون مشاهدة نفس الصورة وسماع نفس الخبر في نفس الوقت، ولأول مرة في تاريخ البشرية يطغى على أخبار الأرض كلها خبر النبيّ صلى الله عليه وسلم وصور محبة أمته له وغيرتها عليه واستعدادها لبذل الأنفس الكثيرة والدماء الغزيرة وقاية لعرضه الطاهر الطيّب، حتى كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث مرة ثانية والناس في مشارق الأرض ومغاربها من مختلف الأجناس والأديان يسألون؛ من هذا الرجل الذي قامت الدنيا لأجله ولم تقعد؟ وما هذا الدين الذي بُعث به؟
وهم يعجبون أشد العجب من نبيّ مات منذ أربعة عشر قرنا لا يزال أتباعه يحبّونه ويقتفون أثره ويتّبعون سنّته ويغارون عليه ويفدونه بدمائهم ومهجهم كأنه حيّ بين أظهرهم، ويعجبون أشدّ العجب من دين يتنافس أهله على الموت لأجله كما يتنافسون هم على الحياة.
إن هذه الوثبة القويّة والهبّة المباركة للأمة الإسلامية برمّتها فاجأت الجميع وأثارت دهشتهم؛
· فأما أعداء الأمة في الخارج؛ فتملّكهم الخوف والجزع وصاروا يدعون المسلمين إلى عدم الإنفعال ونبذ الخطب التي تحرّض على الحقد والكراهية لتجنّب صدام الحضارات، وكأن الصور التي نشروها في جرائدهم، وإصرارهم على عدم الإعتذار أمور تساهم في التواصل بين الشعوب وتساعد على الحوار بين الحضارات.
· وأما أعداء الأمة من المرتدين والزنادقة في الداخل؛ فإنهم لما عجزوا عن مقاومة تيار الغضب الجارف، اختاروا الإنحياز - في الظاهر - إلى شعوبهم لتَسلم حكوماتهم ورياساتهم، وراحوا يطالبون الغرب بسرعة الإعتذار لتهدئة خواطر المحزونين وتسكين نفوس الغاضبين.
فشأن الحكام في البلاد الإسلامية كشأن سدنتهم من أحبار السوء، لم يتحرّكوا غضبا لله ولرسوله وإنما تحرّكوا تبعا لشعوبهم، ولذلك كانوا هم آخر من ندّد واستنكر هذه الجريمة، وأول من سكت وتناسى هذه الجريمة.
والعجب كل العجب من ملك في المغرب العربي، يزعم أنه من العلويين من ذرية النبي ّ صلى الله عليه وسلم، وآخر في المشرق العربي يدّعي أنه هاشمي من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كذبا وافتريا لأنهما لو كانا حقا من سلالة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما خذلاه ولا أسلماه، ولا آثرا عرشيهما الزائلين على عرضه الشريف، فهؤلاء وأمثالهم لا تحرّكهم حميّة الدين ولا حتى حميّة النسب، ولا تهيّجهم إلا الحميّة الجاهلية؛ حمية الملك والسلطان والجاه، ولذلك أبانت هذه الأحداث أن غيرة عوام الأمّة على حرمات الدين وشعائره أعظم بكثير من غيرة الحكام والذين يُفتونهم.