لقد أطال الأخوة الكرام في وصف مناقب الأخ الفاضل طلعت فؤاد قاسم وأفادوا وأصابوا، ولكنهم لم يذكروا فترة هامة في حياته؛ وهي فترة سجنه سبع سنوات - من عام 1981 حتى عام 1988 - ودوره في إعداد البحوث وبلورة فكر"الجماعة الإسلامية"وظهورها سواء إقليميا أو دوليا.
أما قبل دخوله السجن فكان له دور رائد مع الشيخ كرم زهدي صاحب الطاقة التي لا تخبوا ومعه قلة من الشباب على رأسهم طلعت فؤاد قاسم، فكانوا يجوبون انحاء البلاد طولآ وعرضاّ، دعوة الى الله - سرًا وعلنًا - ناشرين الفكر الذى دانو الى الله به، باذلين الغالى والنفيس، صابرين محتسبين، قدوتهم الذى قال له رب العزه: {واذا فرغت فانصب والى ربك فرغب} عليه الصلاة والسلام.
فانطلقوا حاملين الآمانة على ثقلها في طريق صعب مع قله سالكيه لا يضرهم من خذلهم.
أذكر انه في أحد المرات جائني الشيخ كرم زهدي يسأل عن أبي طلال؟ وكان في حاله شديدة من الغضب، وذلك أن أحد القادة بالوجه البحرى من مصر تصرف تصرفا غير مسؤول قد يؤدي إلى كشف التنظيم، فأراد كرم زهدي أن يجمع بعض القادة ليذهب إلى القاهرة لمنع هذه الكارثة. وفى ذلك الوقت كان طلعت فؤاد قاسم مصاب بصداع نصفي شديد، وفي حالته هذه لا يستطيع أن يتحرك أو يتكلم، ولكن عندما رأى حالة الشيخ كرم إنتفض واقفا وذهب معه مباشرة. وكان جميع من في السيارة لم يذوقوا الطعام لفترة طويلة من السفر المتواصل.
في فترة السجن؛ وهي فترة عصيبة، ولكنه كان صابرا محتسبا ومصبرا لغيره، ضاربا بذلك مثلأ للدعية الصابر الداعي لدين الله في جميع الاحوال، في الرخاء والشده، في المنشط والمكره.
فبعد حفلات التعذيب بـ"إستقبال"و"ليمان طرة"و"القلعة"، وبعد إنتهاء التحقيقات المباحثية وما واكبها من تعذيب شديد، ومما أدى إلى موت عدد من الشباب المسلم, وبدأ فتح الزنزانات، وكان في سجن الإستقبال عدد كبير من الإسلاميين من جميع الإتجاهات، من التكفير الى المرجَئة، وكل يدعوا إلى فكره، فكان له دور كبير في الحفاظ على فكر وعقيدة إخوانه، فأخذ يتنقل بين الزنزانات لمحاربة الأفكارالمنحرفه، وذلك في فتره دقيقه وحساسة، فلم يكل ولم يمل.
ثم بعد ذلك كله؛ كان له دور كبير في محاولة الإصلاح بين"الجهاد"و"الجماعة الإسلامية"، عندما حدثت خلافات، فكان يتمتع بقبول لدى الجميع، فكان له دور كبير في إظهار الوحدة أمام وسائل الإعلام أثناء المحاكمات.
ثم بعد الأحكام تفرغ مع غيره إلى إعداد البحوث الهامة التي أثرت في فكر الجماعة وأعطتها رسوخا وضيائا، وكذلك كانت له دروسه الاسبوعية، على سبيل المثال لا الحصر؛"أسباب سقوط الأندلس"،"عبر وعظات"، وكذلك من الدروس اليومية"من الصحابي؟"، فكان عنده قدره على الحفظ غير عادية، فيحفظ الصحابي بجميع الكنى وكذلك نسبه الى أكثر من عشرة أسماء بدون خطأ أو لحن. ساهم تقريبا في جميع البحوث وكان له بحث خاص وهو"ادب المفتى والمستفتى"، وكان محبًا للسيرة والتاريخ الإسلامي.
يتميز أبو طلال القاسمي بحبه الشديد للإخوة، مقابل هذا بغضه وكرهه الشديد لأعداء الله والظالمين, وهذا هو الميزان الإيماني، فأن زاد حبك للمؤمنين زاد كرهك لأعداء الله والعكس صحيح. وترى هذا الميزان واضحا على وجهه؛ فإذا رأيته غاضبا فتعلم أنه قد انتهكت حرمة من حرمات الله او أنه رأى عدوا من أعدا الله.
لذلك أراد الإخوة أن يعالجوا الأمر بتكليفه بالتعامل مع إدارة السجن - حيث يعين شخص واحد يتعامل مع الإدارة لتوصيل طلبات الإخوة الدراسية والمعيشية وغيرها لمنع المفاسد المترتبة من التعامل معهم - ولكنه فشل فشلا ذريعا، حيث انه لم يستطع أن يخالف فطرته السوية وإستمر على كرهه لأعداء الله، وهم بادلوه نفس الشعور ولكن بخسة وندالة، وكان اخرها أن أعطوه الأمان والجوار بالموافقة على طلب اللجوء ثم غدروا به فرفعه الله إلى خير جوار فانتقل من جوار اللئيم الى جوار الكريم. فهنيئا لك أبا طلال نحسبك شهيدا ولا نزكي على الله أحد.
وهنك الكثير من الذكريات مع هذا الأخ الحبيب، طوال 5 سنوات قضيناها معًا في السجن، لا يتسع المجال لذكرها.
اختم حديثى برؤية قد رؤيت من أحد الإخوة؛ ان ابا طلال وآخر كانا يصعدان إلى السماء وكان ابو طلال هو الأسبق، فقيل؛ أنها الشهادة، ولقد تحققت الرؤيا، {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتطر وما بدلوا تبديلا} .
ولتعلم ان هذا الآخر في إنتظار لقائك ولقاء الأحبة، جمعنا وإياكم في مستقر رحمته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
[بقلم؛ أحمد عزت]