فهرس الكتاب
أما الموقف من النظم الحاكمة فهي نظم إسلامية لم تخرج عن الشرعية، وإن حكمت بغير شرع الله يحرم الخروج عليها ومقاتلتها وبالتالي السمع والطاعة لها وولائها.
ومن ثم كانت المرحلة الثانية والتي تتمثل في قضية التحرر الوطني من المحتل الخارجي الكافر، وحكم أبناء المسلمين لبلادهم وان حكموا بغير شرع الله (وهي مرحلة ما يسمي بالاستعمار الحديث، أو المحتل الداخلي، أو حكم العملاء وهي مرحلة تكريس العلمانية والتبعية والتخلف والفقر والمرض والانهزامية وحكم الأراذل) ، هي المرحلة التي تمثل الاتساق مع مفاهيم الحركات الإسلامية السائدة، وإن طالبت نظريا بتطبيق شرع الإسلام، وأن تحكيم شرع غير شرع الله كفر، إلا ان الأمر لا يتعدي ذلك، فهو إما لا يدخل العمل بشرع الله في مفهوم الإسلام عندهم، أو أنه يدخل نظريا ويتم تعطيله واقعا، أو أنه مجرد كفر دون كفر (أي معصية) ففي كل الأحوال لا يفتقد الشرعية، وهذا هو منتهي الفصل بين النظرية وواقعها، ومن هنا ذهبت جهود هؤلاء العلماء في خدمة الجاهلية ومؤسساتها، بدلا من أن تصب في خدمة الإسلام ومؤسساته 0
وفي هذه المرحلة الثانية نجد التجديد من خلال إسهامات بعض العلماء بدأوا يرسمون للحركة الإسلامية طريقا جديدا بعيدا عن الإرجاء، وذلك من خلال الفهم الشرعي الصحيح، وذلك من خلال الالتقاء بين الحكم والواقع الذي ظل طويلا منفصلا، إما في المفهوم وإما في الواقع 0
ومن هنا ظهر المودودي في باكستان والهند، كما ظهر سيد قطب وعلي يديه اكتملت الظاهرة الإسلامية، حيث استطاع ان يبين مفهوم الإسلام السني الشرعي المحض، بل بين كذلك الصلة بين الواقع والمفهوم حيث أنه لا انفصال بينهما، وأن لكل حكم واقع لا ينفصل عنه ولا يتخلف عنه 0
ومن هنا بين أن الواقع الذي يعيشه المسلمون جاهلية لا تختلف عن الجاهلية الأولي حيث لا يحكمها الإسلام، وأن الإسلام لا يمكن أن يتحقق من خلال المنظومة الغربية والمنهج الغربي، بل لا بد من المنظومة الإسلامية والمنهج الإسلامي، وأنه لا فرق في الإسلام بين النظرية والمنهج، ومن ثم لا بد من التقيد بهما معا، وأننا لا يمكن أن نصل إلي الإسلام والحياة الإسلامية إلا من خلال التقيد بالتصور الإسلامي والمنهج الإسلامي، ومن ثم اكتمل المنهج الانقلابي الإسلامي بشقيه النظري والمنهجي، الذي بدأه العلامة المودودي، ثم ظهر مستويا على سوقه علي يد العلامة الشهيد سيد قطب، والذي بين أن العقيدة لا يمكن أن تحيا إلا في وسط يؤمن بها، وتواجه الجاهلية من حولها من خلاله، وأنه بهذا تتربي الجماعة المسلمة ويتكون المجتمع المسلم من خلال التمسك بالنبع الصافي وحده القرآن والسنة 0
ومن هنا كانت محاولات العلامة المودودي تطبيق الإسلام من خلال المجالس النيابية أو من خلال تقديم أسس النظام إلي المجتمع الجاهلي محاولات خاطئة، لأن الإسلام لا يمكن أن يطبق إلا من خلال منهج الإسلام، كما أنه لا يمكن أن يطبق من خلال المجتمع الجاهلي الذي يرفض التحاكم إلي شرع الله، والقائم علي محادة الله وذلك بتقديم أسس النظام الإسلامي إليه، بل تقدم أسس النظام الإسلامي إلي مجموعة تؤمن به وتريد أن تجعله واقعا في حياتها، وقد بين أنه لمواجهة الجاهلية يجب أن نواجهها بوسائل مكافئة لها، البيان يواجهه البيان، والقوة المادية تواجهها القوة المادية 0
ومن ثم أنشأ الحركة الإسلامية التي تولي قيادها لتكون الواقع الذي يتحقق من خلاله التصور الإسلامي، والتي استطاعت أن تواجه الجاهلية من خلال البيان، واستطاعت أن تعريها وتنزع عنها اللافتات الكاذبة كما أنها