فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 38

ورغم هذا الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله واشتهر عنه وتداوله الباحثون من بعده، إلا أن هناك وجهًا عند بعض الشافعية بعدم جواز رمي الترس حتى في حال الاضطرار، ولعله بسبب ضعف هذا القول وانغماره لم يعتدَّ به من نقل الإجماع ولم يعتبره شيئًا يُنظر إليه على أنه خرق له، أو أنه محمول على ما إذا لم يكن الخوف على جماعة المسلمين وعامتهم وإنما على بعضهم مع إمكانية الكف عن الكفار.

وعلى هذه الصورة حملوها في"الموسوعة الفقهية"إذ جاء فيها: (أمّا في حالة خوف وقوع الضّرر على أكثر المسلمين؛ فكذلك يجوز رميهم عند جمهور الفقهاء، لأنّها حالة ضرورةٍ أيضًا، وتسقط حرمة التّرس، ويقول الصّاويّ المالكيّ:"ولو كان المسلمون المتترّس بهم أكثر من المجاهدين"، وفي وجهٍ عند الشّافعيّة؛ لا يجوز، وعلّلوه بأنّ مجرّد الخوف لا يبيح الدّم المعصوم) .

قال الإمام النووي رحمه الله في بيان وجه ذلك عند الشافعية: (وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم، فوجهان؛ أحدهما، لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلا بضرب مسلم، لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف بدليل صورة الإكراه، والثاني - وهو الصحيح المنصوص، وبه قطع العراقيون - جواز الرمي على قصد قتال المشركين، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان) [1] .

ومن المعلوم أصوليًا؛ أن الإجماع - وإن كان حجة شرعية - إلا أنه لا يُتصور ولا يمكن أن ينعقد إلا ويكون مستندًا لدليل من الكتاب أو السنة أو القياس.

وذلك المستند الذي يرجع إليه قد يطلع عليه بعض الفقهاء ويدركه ويصل إليه وقد يغيب عن غيرهم، إلا أنه لا يمكن أن يخفى على جميعهم، لأن الدين اكتمل، والشريعة تمت، وإحداث حكم شرعي استقلالًا من غير رجوع إلى أحد الأصلين يُعد تشريعًا واجتماعًا على ضلالة، والأمة بمجموعها معصومة عن ذلك.

ومع هذا، فمع تحقق صحة الإجماع وثبوته، فلا يلزم المفتي أو العالم البحث عن مستنده إلا من جهة تقوية الدليل وعَضْدِ الحجة.

قال الشيرازي الشافعي: (اعلم؛ أن الإجماع لا ينعقد إلا على دليل، فإذا رأيت إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلا جمعهم، سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه، ويجوز أن ينعقد عن كل دليل يثبت به الحكم، كأدلة العقل في الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره والقياس) [2] .

(1) روضة الطالبين: 10/ 246

(2) اللمع: 51

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت