فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 344

عذرًا في العفو عن الخطأ البدعي، فإن هذا الخطأ لا ينقص من قدر المجتهد، متى كان من أهل القدم في الصلاح والتقوى، فإنه مع خطئه: (قد يكون صدِّيقًا عظيمًا، فليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحًا، وعمله كله سنة) .

كما أن فعل أهل الفضل للبدعة ليس دليلًا على صحتها، فإن الصحة تُعرف من كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وآله وصحبهوسلم-.

ثم قال رحمه الله تعالى-مبينًا هذا: (إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين، فقد تركها في زمان هؤلاء من كان معتقدًا لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فتُرد إلى الله ورسوله) .

هذا إذا وقع الخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، أما من أخطأ مخالفًا: (الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، أو: ما أجمع عليه سلف الأمة، خلافًا لا يعذر فيه، فهذا يُعامل بما يُعامل به أهل البدع) .

وكذلك تُحمل الأقوال المحتملة لأهل الفضل والصلاح، على أحسن محمل وأسلم مقصد، من ذلك حَمْله-رحمه الله تعالى-لقول الجنيد: (التوحيد إفراد القِدَم من الحدث) ، قائلًا: (هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملًا حسنًا، وغير المحق يدخل فيه أشياء ... وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ، وهو التوحيد في القصد والإرادة، وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة، وهو أن يُفْرَد الحق سبحانه وهو القديم، بهذا كله، فلا يشركه في ذلك محدث، وتمييز الرب من المربوب في اعتقادك وعبادتك، وهذا حق صحيح، وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه ... ومما يدخل في كلام الجنيد، تمييز القديم عن المحدث، وإثبات مباينته له، بحيث يعْلَمه ويشهد أن الخالق مباين للخلق، خلافًا لما دخل فيه الاتحاديةمن المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون بالاتحاد معينًا أو مطلقًا) .

ومنه أيضًا-حمله قول بعض الصوفية-: (ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، ولكن لأنظر إليك أو إجلالًا لك-مع ما فيه من خطأ، على حسن القصد-فيقول:(وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين، وأرباب الأحوال والمقامات، يكون لأحدهم وَجْدٌ صحيح، وذوق سليم، لكن ليس له عبارة تبين مراده، فيقع في كلامه غلط وسوء أدب، مع صحة مقصوده) .

وقال في المقال الثاني تحت عنوان: (أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية: الأصل الأول: الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد، وحمل كلامهم المحتمل على أحسن محمل) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت