ومن صور حدوث الأسئلة القراءة، فإن المرء حين يسير في عقول البشر، فتقوم في ذهنه وهو العابد الأسئلة حول ما تقول هذه العقول: أهو حق أم باطل؟ وما وجه الصحة فيه؟ وبهذا يذهب إلى نبع القرآن ونهجه ليعلم الجواب، فتنشأ لديه علوم القرآن.
من غير معاناة لا تكون الفوائد ولا الاستنباطات العظيمة، فمن شغله قلبه بالأسئلة فهو في مقام يمدح فيه، ولا يخاف ولا يذم، وحال هذا المرء كحال المجاهد الذي تأتيه جنود الكفر فيدافعها بالحق والجهاد، وكذلك أسئلة الغير تقيم في نفسه من الجهاد في النظر والعلم ما الله به عليم.
وهذا كذلك مع الواردات، فهي تغزو القلب، لا يدري أحق هي أم باطل، أمن فتح الله عليه أم من وسوسة الشيطان، فلا بد لها حينئذ من الأدلة على قبولها أو ردها، والأدلة هي الكتاب.
هذا الحال باب واسع عند السلف في سبب تدبر القرآن واستخراج كنوزه ومعانيه، فقصة الشافعي رحمه الله في حجة الإجماع مشهورة، حيث سئل عن دليله فأقام مع القرآن تاليًا باحثًا متدبرًا، حتى فتح الله عليه الدليل في قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .
وهذا حال الكثيرين من أهل العلم والجهاد في طريقة أجوبتهم على أسئلة النفس والعالم.
ومن جهالات الخلق في هذا الباب ما انتشر بينهم أن القرآن كتاب عمومات لا يجيب على دقائق المسائل، ولا يعطي إلا الكليات في المسائل والمواضيع، وهذه كلمة مجرمة صرفت الناس عن تدبر كلام الله تعالى وبحثهم فيه عن أجوبة مسائل الحياة دقيقها وعظيمها، ظانين خلو القرآن عن هذه الأجوبة، ومن رأى استنباط السلف للمعاني القرآنية رأى ما يذهل في هذا الباب، والقرآن كله حكم، وكله