الصفحة 108 من 146

تريد، وإن شئت أعلمتك به» قال: «فخبرنى» قال: «نكون على عدة ثم نلقى القوم كأنّا نسألهم عمّا جاءوا إليه حتى إذا غشيناهم صببنا عيلهم، فإن أرادوا قتالنا كنّا قد شغلناهم عن كثير من ذلك، وإن لم يقاتلوا أخذنا عبد الله والقواد الذين معه فصاروا رهائن بأيدينا، فكنا المخيّرين على الفضل، فإمّا أجاب إلى ما نحبّ وإما أخرجناه ومن معه وقاتلناهم إن أبوا الخروج فقال له منصور: «والله ما أخطأت ما أردت» فأجمع رأيهم على ذلك، فأقبل عبد الله بن محمد حتى التقوا بالزيتون، فلمّا قربوا منه حملوا عليه وعلى أصحابه، فقتلوه عبد الله وأخذوا القوّاد أسارى، فلمّا رجعوا إلى ابن الجارود، فأخبروه بما صنعوا فقال لهم: «ما لهذا بعثتكم، فأمّا إذ وقع فما رأيكم؟» فأشار بعض أصحابه بما عنده من الرأى، وقال: «إنّه لم تسأل الفضل واليا، وأنت تريد قتله قبل أن تعرف رأيه وأنت غائب عن قتل عبد الله، فأقم وكاتبه، فإنه يحثّه على موادعتك طلب العافيّة ... الولاية» ، فضحك محمد بن الفارسى فقال له عبدويه: «لم ضحكت، كأنك لم ترض رأيه؟» ، قال: «أما هو فقد أجهد لك نفسه في الرأى» قال: «فما ترى أنت؟» قال: «إذا والله أعطيتك الوجه الذى إن ارتكبته ظفرت وإن تركته نكبت» قال: «وما هو؟» قال: «اعلم أن الفضل لن يسلم لك صدره أبدا بعد إخراج ابن أخيه وقتل ابن عمه، وليس اعتذارك للفضل أنك غبت عن قتل ابن عمّه بالذى يقيم لك العذر عنده، ولا راحة لك في سلمه، وقد قيل في أمثال كليلة ودمنة: إن الضرس المأكول الفاسد لا راحة لصاحبه دون قلعه، وكذلك نحن وآل المهّلب، لا راحة لنا فيهم إلّا بقتلهم أو إخراجهم بالمكائد والحيل» ، فقال له عبدويه: «فتولّ أنت تدبير الرأى ومكالمة الناس، واكفنى ذلك وأنا أكفيك تدبير الحرب ـ إن شاء الله ـ» فجعل محمد بن الفارسى يكتب إلى كل رجل من وجوه القوّاد يوهمه أنهم يؤمّرونه عليهم وكان في كتبه: «أما بعد» فإنا نظرنا إلى ما صنع الفضل في ثغر أمير المؤمنين في تهاونه بجنده، واستئثاره عليهم بما لم تكن الولاة تصنعه قبله مع وعورة لفظه لهم وتركه لكتاب أمير المؤمنين في أرزاقهم وسوء سيرته فيهم، فيما عهد إليه، ولم ينفعنا إلّا الخروج عليه لنخرجه عنا، ونظرنا فلم نجد أحدا هو أولى بنصيحة أمير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت