مباشرًا في جزء من هذه القراءات، وقد قال عمر بن الخطاب (رض) مشيرًا إلى قراءة أبيّ بن كعب: «إنّا لنرغب عن كثير من لحن أُبيّ» (1) .
وقد أورد أبو شامة عن ابن جرير الطبري في (310 ه) ما يؤيد فيه هذا العامل فقال:
«فإن قيل: فما تقولون في هذه القراءات السبع التي ألفت بالكتب؟ قلنا: إنما أرسل أمير المؤمنين المصاحف إلى الأمصار الخمسة بعد أن كتبت بلغة قريش، فإن القرآن إنما نزل بلغتها، ثم أذن رحمة من الله تعالى، لكل طائفة من العرب أن تقرأ بلغتها على قدر استطاعتها، فلما صارت المصاحف في الآفاق غير مضبوطة ولا معجمة قرأها الناس فما أنفذوه منها نفذ، وما احتمل وجهين طلبوا فيه السماع حتى وجدوه» (2) .
والطريف في رأي الطبري، وهو من قدامى المفسرين، أن يجمع هذه العوامل الثلاثة، فينص على اختلاف اللهجات، ويشير إلى شكل المصحف وإعجامه، ويؤكد جانب السماع في الروايات التي توصلوا فيها إلى نطق القرآن.
وعامل اللهجات، وإن محصّ متأخرا، وتمحض له الدكتور طه حسين، إلا أنه عامل جدير بالتلبث والترصد والاستقراء في إثرائه جانب القراءات، ومواكبته لمسيرتها اللغوية. فما من شك أن القرآن قد نزل بلغة قريش، وهي أفصح لغات العرب، وحينما اختار الله تعالى لكتابه اللغة العربية، فلا ريب ان يقع الاختيار على الأفصح، والأفصح لغة قريش، وهو الموروث اللغوي المقروء في القرآن، ويؤيده وصية عثمان للرهط القرشيين لدى استنساخ المصحف: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت بشيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم» (3) .
وفي هذا الضوء يبدو أن عبد الله بن مسعود (رض) كان يقرئ الناس
(1) ابن ابي داود، كتاب المصاحف: 32.
(2) أبو شامة، المرشد الوجيز: 150.
(3) البخاري، الجامع الصحيح: 6/ 224.