الصفحة 127 من 176

والملحظان الأخيران يؤكدان استجابة أبي الأسود لهذا الأمر بسبب أمر رسمي من سلاطين عصره، وهو ما لا يتفق مع عزلة أبي الأسود السياسية، وعزوفه عن المناخ الرسمي، ولعل القلقشندي يدفع عنه ذلك صراحة، ويوضحه فيقول:

«إن أول من نقط القرآن ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه» (1) .

والغريب الذي لا يمت إلى أساس علمي أن يستبعد كل ما تقدم به أبو الأسود الدؤلي مع تظاهر الروايات على صدقه أو على شهرته على الأقل، بعض الدارسين المعاصرين، فمن يعد انفراد أبي الأسود في ذلك ليس منطقيًا ولا معقولًا، ولا يقوم على أساس عقلي، وكأنه يستكثر ذلك عليه أن لم يستنكره، بينما يعتبر أن للحجاج عملًا عظيمًا لا سبيل إلى إنكاره في الإشراف على نقط القرآن (2) .

ولدى التحقيق ـ كما سترى فيما بعد ـ فليس هناك مصدر واحد يوثق به، أو نقل ثابت، ويؤرخ هذه التقولات.

وليت شعري ما المانع العقلي أو المنطقي الذي يراه صبحي الصالح حائلا عن قيام أبي الأسود بذلك، وأبو الأسود عالم موسوعي في كثير من فنون الأدب واللغة والتراث، وهو بعد تلميذ الإمام علي 7 ولم تشغله سياسة القوم عن النهج العلمي.

ولقد أكمل عمل أبي الأسود من بعده، إثنان من تلامذته هما يحيى بن يعمر العدواني (ت: 90 ه‍ تقريبًا) ونصر بن عاصم الليثي (ت: 89 ه‍) حيث وضعا النقاط على الحروف أزواجًا وإفرادًا، وقد كان وضع النقاط على الحروف حقيقيًا لا على سبيل الإستعمال المجازي، وبذلك تميزت صور الحروف المتشابهة، وصار لكل حرف صورة تغاير صورة غيره من الحروف، طبقا لما نجده متعارفا في كتابتنا المتداولة اليوم (3) .

(1) القلقشندي، صبح الأعشى: 3/ 151.

(2) ظ: صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن: 94.

(3) ظ: أبو أحمد العسكري، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: 13 + حمزة الأصبهاني، التنبيه على حدوث التصحيف: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت