الصفحة 29 من 176

والقرآن نازل من عند الله بألفاظه نفسها، وما مهمة جبرائيل 7 إلا تبليغ الوحي كما تسلمه، وهو آيات الكتاب الكريم بنصوصها خالصة بدلالة قوله تعالى: (تلكَ ءاياتُ اللهِ نتلوهَا عليكَ ...(108 ) ) (1) .

وقد اختار السيوطي ذلك تعبدا بلفظ القرآن إعجازًا، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه (2) .

وخصوصية القرآن التعبد بتلاوته لأن ألفاظه نازلة من الله تعالى فلا تدانيها خصوصية أخرى، لأن هناك ما هو نازل من السماء كالأحاديث القدسية، ولكنها ليست بقرآن، فلا خصوصية للتعبد بتلاوتها. وإن أخذنا بمضامينها حرفيًا، ولكنها لم تنزل بألفاظها المخصوصة لها كما هو شأن القرآن.

والحديث النبوي نتعبد به أمرًا ونهيا، وكان النبي 6 يرسل الحديث ويقوله، ويتبع ذلك أهله وأصحابه، ثم يتلو القرآن ويقرؤه، فما اتفق يوما أن تشاكل النصان، أو تشابه القولان، ولو كان معنى القرآن ينقل إلى النبي 6 وحيا، أو وحيه ينقل إليه معنى، والنبي 6 يصوغه بلفظه، ويعبر عنه بكلامه، لاشتبه القرآن بالحديث، والحديث بالقرآن، من وجهة نظر بلاغية على الأقل، بينما العكس هو الصحيح، فالخصائص الأسلوبية في القرآن تدل عليه، وخصائص الحديث تدل عليه، فكل له أسلوبه المتميز، ومنهجه الخاص حتى عرف ذلك القاصي والداني، ممن آمن بالنبي 6 والقرآن وممن جحدهما، فالقرآن كلام الله، ومحمد 6 ينقله كما سمعه، بلفظه الدال على معناه، وبمعناه الذي نطق به لفظه، لا شيء من محمد 6 إلا النقل الأمين، والحديث كلام محمد 6 يتفوه به فيشرع ويحكم، لأنه المصدر الثاني بعد القرآن للشريعة الإسلامية، قال تعالى: (ومَا ءاتاكُمُ الرَّسوُلُ فَخُذُوُهُ ومَا نهاكُمْ عنهُ فَانتَهُوا ... ) (3) .

(1) آل عمران: 108.

(2) ظ: السيوطي، الاتقان: 1/ 128.

(3) الحشر: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت