الصفحة 51 من 70

يكن سلف الأمة على هذا ولم تكن الأسباب تحجبهم عن مُسَبّبها ومُوجدها سبحانه بل يُلابسونها ظاهرًا وتعلقهم في الباطن بمسببها، وإن تدهْور الأمم منوط بانقطاع صلتها بالمدبر سبحانه، وكذلك الأفراد إذِ الأمر كله له كما أن الملك كله له، وهو لم يخلق الخلق إلا لعبادته المقيّدة باتباع رسوله.

إن ما يجري في العالَم من صغير وكبير إنما هو بَقَدَرٍ سابق محكم مُتقن لا يخرج عنه شيء، فأين الإيمان الفعلي بذلك الذي يصل المخلوق بخالقه في كل شأنه؟

إن هودًا عليه السلام يقول لقومه: {إني توكلت على الله ربي وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} . إنه وصف باهر أن يُمثِّل عليه السلام قَدَرَ الإله العظيم بهذا فكلٌّ يعلم أن أخْذَ الدابة من الآدميين والحيوان وجرِّها بناصيتها معناه التحكّم في شأنها وتسْييرها على المراد حيث لا تقدر على المقاومة والمنازعة لِمقارنة الألم وملازمته لذلك.

إن القَدَر هو قدرة الرحمن كما فسّره بذلك إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله - فهل يخرج شيء في الوجود عن قدرة موجده!! إن نَوَاصي الكفار بيد الجبار فمالنا نسخطه ونرجو نصرنا عليهم؟ وإن مشاركتنا لهم بمعصيته موجبة لتسليطهم علينا.

إن اعتقاد هَيْمنة المقادير يوجب خلع الأسباب عن ربوبيتها بعدم الاعتماد عليها والثقة بها مع ملابستها كما يوجب أيضًا صحة التوكل على مَن هي بيده وطَوْع مشيئته. وانظر مطابقة قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقول أخيه هود المتقدم حيث قال: (ناصيتي بيدك) ، تعرف حقيقة التوكل وحال الأنبياء عليهم السلام فيه، ولا عجب فهو نصف الدين كما أن نصفه الآخر إنابة. والمراد هنا عزل العالَم محرِّك الوجود ومُسَكّنه التفاتًا بالكلية إلى حركته وسكونه وذلك انشغال بالآلة عن المحرِّك.

إن الوجود كله آلة والمحرِّك لهذه الآلة مُوجِدُها، إنه لم يخلق الأعيان للمخلوقات ويدعها تُحرِّك نفسها لأن هذا خَلْق وهي لا تقدر عليه بل خَلَقَ الأعيان وهو يخلق أفعالها، فأين نحن من ربنا!! لقد اختلّت الموازين باختلال أصول الشريعة والدين، وإن الهوان والخذلان وسوء الحال وتسليط الأعداء على المسلمين لَقَرينٌ لمخالفة ماشرعه لعباده الحكيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت