لمثل هؤلاء و غيرهم في اليابان و استراليا و يجب أن يصدر المجتهدون و الفقهاء و الأئمة و المصلحون من فقه المواطن لا المهاجر، القيم لا الراحل، ابن البلد و ليس الدخيل؛ لأن هذا هو الواقع أولا، ولأن الوفاء للمكان الذي فيه درجت أو احتميت أو ارتويت بعد ظمأ أو شبعت بعد جوع و تعلمت بعد جهل أو تحركت بعد كبت يوجب خلق الوفاء أن يشعر بحق هذا البلد عليه في الإصلاح و المشاركة الجادة في نموها و استقرارها، و هذا لا يمنع من الحنين إلى الموطن الأصلي إن وجد لدى"المهاجرين"كما كان -صلى الله عليه وسلم- تدمع عيناه أصيلا يمدح مكة و كذا بلال و غيره لكنهم استوطنوا المدينة وأقاموا بها و حولت إلى مهد للخير و النور في الأرض كلها ودعا النبي -صلى الله عليه وسلم- للمدينة أن يبارك في صاعها ومدها و أن ينقل حماها إلى الجحفة فصارت يثرب طيبة في هوائها و مائها وغرسها و أهلها.
ولست أعني هنا أن يشعر المسلم المقيم في دول غير إسلامية بما كان يشعر به الصحابة نحو المدينة حيث اجتمع فيها النص الشرعي مع التطبيق العملي في سلطة شرعية و دولة إسلامية صارت نورا للبشرية ولكن أعني أن الحنين إلى بلد الولادة و المنشأ لا حرج فيه و لا يمنع من المقام في بلد آخر، و إصلاحه و الحنين إليه أيضا و الوفاء لحقه هذا مع الأخذ بالاعتبار أن النسبة الأكثر في الأقلية المسلمة هم مولودون أو ترعرعوا في بلاد عير إسلامية إذا أضفنا الأبنا ء إلى الأصليين.
و إذا كانت قضية المواطنة في البلاد غير الإسلامية موضع خلاف حتى الآن فإن الذين يصلحون للفتوى و الاجتهاد هم أولئك الذين يرون صحة أو استحباب أو وجوب الإقامة و التوطن في البلاد غير الإسلامية حملا للأمانة و تبليغا للرسالة و ابتعاثا في الخير كما نص القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ، و قال النبي -صلى الله عليه و سلم- (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) و قد هيمنت فكرة الابتعاث إلى الخير حتى على الأعراب مقولة ربعي بن عامر:"إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد غلى عبادة رب العباد و من جور الأديان غلى عدل الإسلام و من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا و الآخرة".
و في جميع الأحوال لو أجمع فقهاء الأرض الآن على عدم صحة الإقامة و المواطنة فلن يغير هذا من الواقع البلاد التي بها أصليون، و لن يرحل أكثر المهاجرين إلى بلادهم التي عانوا منها، فهل من وظيفة الفقه أن يؤثم الناس، أم يرفع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم؟ !