فهرس الكتاب
الفرع الأربعون
لقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه (( شرب لبنًا فمضمض وقال إن له دسمًا ) )"متفق عليه"فزعم البعض أن ذلك منسوخ بحديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى ) )"رواه أبو داود بسند حسن"والعجب من هذا الزعم أنه زعم لا أساس له من الصحة كيف يكون منسوخًا مع إمكان العمل به فإن الواجب هو الجمع بين الأدلة ما أمكن فلا يوجد تعارض ولا اختلاف بين هذين الحديثين أبدًا لأن المضمضة من اللبن ليست حتمًا يعاقب من تركه بل هي للاستحباب ومن المعلوم أن المستحب مرادف للمندوب, والمندوب هو ماأمر الشارع به أمرًا غير جازم, وعلامته أنه يثاب فاعله امتثالًا ولا يعاقب تاركه فلما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - المضمضة علمنا أن الأمر فيه سعة ولله الحمد والمنة, وأنت تعلم أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - تفيد الندب مالم تقترن بقولٍ فتفيد ماأفاد القول, وتمضمضه - صلى الله عليه وسلم - من اللبن فعل من الأفعال فيفيد الاستحباب, فحتى لولم يرد حديث أنس أصلًا لما كان يستفاد من تمضمضه إلا الندب فقط لأنه فعل, والمندوب يجوز تركه فكيف وقد ورد ذلك صريحًا من تركه - صلى الله عليه وسلم - ففي الحقيقة أن القول بالنسخ مجازفة كبيرة والحق أن هذه الأحاديث لاناسخ فيها ولا منسوخ لأن العمل بها جميعًا ممكن ومع إمكانية العمل فلا نسخ تحقيقًا للقاعدة المباركة الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والراجح في هذه المسألة أن المضمضة من شرب اللبن للندب ويؤيده أيضًا أن راوي الحديث هو ابن عباس - رضي الله عنه - شرب لبنًا وتمضمض ثم قال:- لو لم أتمضمض ما باليت فقوله هذا يعد تفسيرًا لحديثه وأن الأمر فيه سعة وقد تقرر في الأصول أن تفسير الراوي مقدم على غيره مالم يخالف ظاهر الحديث والله أعلى وأعلم.