الصفحة 116 من 131

الفرع الرابع والأربعون

أقول:- روى ابن ماجة في كتاب الطهارة بسنده عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبول الرجل قائمًا ) )ومثله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( نهى أن يبول الرجل قائمًا ) )وقالت عائشة: (( ما بال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا منذ أنزل عليه القرآن ) )"رواه أحمد"وفي حديث الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( من الجفاء أن يبول الرجل وهو قائم ) )فهذه الأحاديث تفيد النهي عن البول قائمًا, ولكن ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قومٍ فبال قائمًا ... الحديث ) )فكيف نجمع بين ذلك؟

الجواب أن يقال:- لقد اختلفت مسالك أهل العلم في ذلك وأصح هذه المسالك أن يقال:- الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الأحكام الشرعية أنها لا تثبت إلا بالأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة, وكل حديث مرفوع ينهى عن البول قائمًا فإنه ضعيف فيما أعلم"والله أعلم"وحيث لم يصح في ذلك حديث فالأصل الإباحة, وبناءً على ذلك فلا نحتاج إلى جمع لأن الجمع إنما يكون عند صحة الأدلة التي ظاهرها التعارض وأن المنقولات الضعيفة فإن حقها الإطراح, فهذا هو المسلك الراجح عندي أن هذه المسألة لا تحتاج إلى جمع لضعف الأحاديث الناهية عن البول قائمًا, لكن لو سلَّمنا جدلًا أنها تبلغ بمجموعها درجة الاحتجاج فلنا جواب آخر وهو أن يقال:- إن بوله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا يفيد أن نهيه - صلى الله عليه وسلم - ليس على بابه الذي هو التحريم وإنما هو للكراهة التنزيهية ولقد تقرر في الأصول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نهى عن شيء ثم خالفه بفعله أن فعله هذا يعد من الصوارف للنهي القولي عن بابه إلى الكراهة وهذا أيضًا مسلك حسن لكن الأول أصح, وعلى كلا الجوابين فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت