فهرس الكتاب
الفرع التاسع
لقد قال الله ربنا جلَّ وعلا في محكم كتابه الكريم: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [1] وقال تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [2] ففي هذه الآيات نسبة النسيان له جلَّ وعلا بينما نجد في آياتٍ أخرى نفي النسيان عنه كما في قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَ لاَ يَنسَى} [3] وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [4] فهذه الآيات تنفي النسيان عنه, فكيف مرة يثبت النسيان له ومرة ينفيه؟
والجواب:- نحن لانحيد أبدًا ولا نزيغ عن أصلنا المتقرر أنه لايوجد بين الأدلة الصحيحة أي اختلاف أو تنافر أو اضطراب لأنها من عند الحكيم الحميد الذي هو أصدق من كل أحد قيلًا وأصدق من كل أحد حديثًا.
ونؤمن أيضًا إيمانًا خاليًا من الزلل أن الواجب هو الجمع بين الأدلة ماأمكن ذلك, وأنه لايجوز إبطال شيء من الأدلة إذا كان إعماله ممكنًا, وهذه الآيات من ذلك وبيان ذلك أن يقال:- إن النسيان له في لغة العرب معنيان:-
نسيان بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء, ومعناه انقطاع التفكير وعزوب هذا الشيء عن القلب, وهذا نقص في الخلق وهو النسيان المنفي عن الله تعالى, لأن الواجب لله تعالى إنما هو الكمال المطلق وهذا النسيان نقص ننزه الله تعالى عنه, فالواحد منا قد يضع ما يخصه في مكان ثم ينساه, فالنسيان هنا هو الغفلة وهي نقص لا يليق به جلَّ وعلا لأن الله تعالى له الكمال المطلق الذي لاحدود له في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله جلَّ وعلا فله العلم المطلق, والإحاطة المطلقة الزمانية والمكانية وله السلطان المطلق, وله الحمد
(1) سورة التوبة آية (67)
(2) سورة السجدة آية (14)
(3) سورة طه آية (52)
(4) سورة مريم آية (64)