فهرس الكتاب
الفرع الثامن والعشرون
لقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم فهذا الحديث يفيد إفادة قطعية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد على ميمونة حال كونه محرمًا وهذا الإحرام لاشك أنه في عمرة الحديبية, كيف نجمع بين هذا الحديث وبين ما رواه مسلم في صحيحه عن ميمونة أنها أثبتت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهي حلال, وكذلك في حديث أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهي حلال وكنت السفير بينهما"حديث صحيح"فحديث ابن عباس يثبت أن العقد على ميمونة رضي الله عنها كان في حال إحرامه - صلى الله عليه وسلم - , وحديث ميمونة نفسها وحديث أبي رافع تثبت أن العقد وقع حالة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - حلالًا أي غير محرم, فكيف بالله عليك تجمع بين ذلك؟
والجواب على ذلك أن يقال:- لقد قررنا قاعدة وجوب الجمع بين الأدلة وذكرنا أن وجوب الجمع ليس وجوبًا مطلقًا بل هو وجوب مقيد بالقدرة و الإمكان والاستطاعة, ولو رجعت إلى القاعدة لوجدت نفسها تقول الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والمقصود الأدلة الصحيحة في سندها والصريحة في متنها, لكن متى ما تعذر النسخ فإنه ينتقل إلى الترجيح كما قررناه سابقًا وفي الحقيقة أن هذه الأحاديث ظاهرها التعارض ولا شك والجمع بينهما متعذر لأن العين المعقود عليها واحدة وهي ميمونة رضي الله عنها والعاقد واحد وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالجمع بينهما متعذر, ولا يتصور أبدًا أن يقع العقد مرتين في الإحرام والحل, فإن هذا لا يقوله من له أدني أثارة من علمٍ, وحيث تعذر الجمع بين الأدلة فنذهب إلى النسخ وكذلك أيضًا هذه المرتبة متعذرة لأن الأحاديث كلها متفقة في الزمان فالكل يتكلم عن العقد على ميمونة رضي الله عنها والكل يتكلم عن حال النبي - صلى الله عليه وسلم -