فهرس الكتاب

الصفحة 4117 من 7351

أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ:"وَمَا ذَاكِ". قَالَتْ قُلْتُ لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُما قَالَ:"أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللهمَّ إِنَّمَا أَنَابَشَرٌ فَأَيُّ المسْلِمِينَ لَعَتتهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا" (1) .

وفي هذا الحديث تلفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - باللعن، وذلك لوجوه:

1 -أن هذا التلفظ مما جرت به العادات: أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة، كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينك، عَقْرَي حَلْقَي وَفِي هَذَا الحدِيث"لَا كَبِرَتْ سِنّك"وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة"لَا أَشْبَعَ الله بَطْنك"وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء (2) .

2 -أن هذا حكم بالظاهر، وإن لم يكن صاحبه يستحق ذلك في الباطن.

فقد يكون الملعون لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد الله تَعَالَى، وَفِي بَاطِن الْأَمْر، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ، فَيَظْهَر لَهُ - صلى الله عليه وسلم - اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة، وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَهُوَ - صلى الله عليه وسلم - مَأْمُور بِالحكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَالله يَتَوَلَّى السَّرَائِر (3) .

والأحاديث في الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال - صلى الله عليه وسلم:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" (4) .

ففي قوله:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"دلالة على ما

(1) مسلم (6779) .

(2) شرح النووي على مسلم (8/ 414) .

(3) شرح النووي على مسلم (8/ 414) ، فتح الباري (11/ 176) .

(4) البخاري (3344) ، مسلم (1064) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت