فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 7351

وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، وهذه الرهبانية لم يشرعها الله ولم يجعلها مشروعة لهم، بل نفى جعله عنها كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} (المائدة: 103) .

وهذا الجعل المنفي عن البدع هو الجعل الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48) ، وقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} (الحج: 67) ، فالرهبانية ابتدعوها لم يشرعها الله.

وللناس في قوله (رهبانية) قولان:

أحدهما: أنها منصوبة يعني: ابتدعوها إما بفعل مضمر يفسره ما بعده، أو يقال: هذا الفعل عمل في المضمر والمظهر كما هو قول الكوفيين حكاه عنهم ابن جرير وثعلب وغيرهما ونظيره قوله: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) } (الإنسان: 31) ، وقوله: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالةُ} (الأعراف: 30) وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة.

والقول الثاني: إنها معطوفة عليها فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة ويكون هذا جعلًا خلقيًا كونيًا، والجعل الكوني يتناول الخير والشر كقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} (القصص: 41) .

وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية؛ لأنها في القلوب فثبت أنه على التقديرين ليس في القرآن مدح للرهبانية. ثم قال: {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} أي: لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع. وهذا يسمى استثناء منقطعا كما في قوله: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} (النساء: 157) ، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء: 29) ، وقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت