السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة - رضي الله عنهم -، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل - إن شاء الله تعالى -.
ولما كثر من ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) بالجرّ بدلٌ من"القدر"، وفي رواية:"بالقدر كُلِّهِ خيره وشره"، وزاد في رواية:"حُلْوه، ومرّه"، وزاد في أخرى"من الله".
[تنبيه] : ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان، لا يُطلق إلَّا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (1) .
(قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل أيضًا (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قال في"الفتح": هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ولتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين:
[أحدهما] : متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ.
[وثانيهما] : متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها،
(1) راجع:"الفتح"1/ 163.