فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 447

للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم نهوا عن المسئلة كما في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسئلة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه و سلم وفيه أيضا عن أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وفي المسند عن أبي أمامة قال كان الله قد أنزل يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة قال فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه و سلم قال فأتينا أعرابيا فرشوناه بردا ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه و سلم وذكر حديثا وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال إن كان لتأتي على السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن يسألونك عن الخمر والميسر البقرة يسألونك عن الشهر الحرام البقرة يسألونك عن الأهلة البقرة ويسألونك عن اليتامى البقرة وذكر الحديث وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أحيانا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها فبهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه و سلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وهو يدل على كراهة المسائل وذمها ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي صلى الله عليه و سلم لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به وهذا قد أمن بعد وفاته صلى الله عليه و سلم ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل بل له سبب آخر وهو الذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ومعنى هذا أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز ويبلغ ذلك رسوله صلى الله عليه و سلم عنه فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال يبين الله لكم أن تضلوا وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه وإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله ثم اتباع ذلك والعمل به وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يسئل عن المسائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف وأشار رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره واجتناب نهيه شغلا عن المسائل فقال إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فالذي يتعين على المسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت