لقد صدهم الهوى عما يدعوهم إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأن قلوبهم في أغطية لا يصل إليها الخير، ولا تتقبل الدعوة. ? وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ? [الأنعام: 25] اعترفوا بأنهم لا يسمعون، وكأن في آذانهم وقرا، ومن بيننا وبينك حجاب، يعني حاجز منيع يحجز كلامك عنا، ولا ننتفع به.
وهذا كما وقع في الأولين فإنه يقع في المتأخرين. فالذين ابتعدوا عن الخير وأهله هم الذين اتبعوا ما تهواه أنفسهم وما تميل إليه، والذين يميلون إلى الظن واتباع الهوى أقوالهم وأفعالهم ناتجة عن ذلك.
يقول -تعالى-: ? إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى *وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ? [النجم: 27، 28] .
وهكذا ذكرهم في قوله -تعالى-: ? أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى* إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ? [النجم: 21-23 ]
فالظن واتباعهم ما تهوى الأنفس هو الذي أوقعهم في الكفر والمعاصي.. وهذا نتيجة اتباع الهوى.
ولأجل ذلك ذكر الله -تعالى- أن الهوى معبود في موضعين من القرآن في سورة الفرقان في قوله -تعالى-: ? أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ? [الفرقان: 43 ]
وفى سورة الجاثية قوله -تعالى-: ? أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ? [الجاثية: 23]