فهرس الكتاب
-قال الفتى: فصرخت.. وما عساني أن أفعل وقد ماتا..؟! نعم.. لا عذر ولا قبول.. وربي بالمرصاد.. ويلي!!..
-قال الفتى: وسرت راجعًا بعد دفن أبي ومعي من الجموع الكثير.. وكنت والله مرعوبًا متفتت الأحشاء كسيفًا مطرقًا..ما زال في فكري ذلك اليوم.. وتلك الأيام التي كنت أرد على أمي أصواتًا أو أحتج على أبي مغاضبًا وكإني سيد الدنيا.. وفي تلك الأيام التي ما أرضى أن ترفع أمي طرفًا لزوجتي أو يحتج أبي على تصرف لي مهما كان صغيرًا.. في تلك الأيام كنت أعلم قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) ).. وما أعي معنى لذلك إلا اليوم.. وكم أبكيتها.. ولكني كنت أقرأ قول ابن عمر: بكاء الوالدين من العقوق والكبائر.. وأقرأ قوله -صلى الله عليه وسلم-:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا قالوا: بلى يا رسول الله ، قال: الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئًا: ألا وقول الزور ، وما زال يكررها حتى قلت ليته سكت"- قال الفتى: وكم أبكيتك يا أمي.. وكم.. ويا ليتنى قد اعتذرت ، ما منعني إلا النسيان أو الغضب ، و.. لست أدري.. ولكني سأستغفر ربي ما عشت وأتذكر الأثر دائمًا:"لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك".. - قال الفتى: وخطرت لي أمي.. بني أسعد.. إذا ألمت بك مصيبة فكيف تفعل؟؟ .
-قلت: سأستغفر ربي.. قالت: أما لو كنت حية لهانت عليك. قال الفتى: قلت كيف ذاك يا أماه؟؟ قالت: روي عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني ، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه فغرت عليها ، فقتلتها ، فهل لي من توبة؟ قال له: (هل أمك حية؟) ، قال: لا ، قال: تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت ، فذهب.. يقول الراوي: فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من بر الوالدة..