ونحن نجد أنفسنا اليوم وبعد عشرين عامًا من التجربة الماركسية وبعد تسعين عامًا من التجربة الليبرالية: وقد حصلنا على نتيجة"الصفر المركب". وأحس العقل العربي الإسلامي أنه كان يعايش تجربتين فاشلتين بعيدتين كل البعد عن مشاعره وروحه وذاتيته.
بل إنه عرف من بعد أن سر (النكبة والهزيمة والنكسة) مِما حاق به في السنوات التي بدأت منذ 1948 وامتدت إلى 1967 إنما كان نتيجة هذا الاستسلام للتبعية لمنهج وافد عاجز عن تحقيق أي تقدم أو أمن لمجتمعه الأصيل الذي نشأ فيه، فكيف يكون مستطيعًا أن يحقق ذلك لمجتمع غريب عنه.
تلك هي الصورة التي تواجهنا اليوم بعد أن تحررنا من صورة الهزيمة ودخلنا في أفق معرفة النفس، والتماس الأصالة، وتأكيد الذاتية، وبلوغ الرشد والإحساس القوي بأن هذا وحده هو المنطلق الصحيح لمستقبل يتطلع إلى التحرر من كل تبعية وغزو واستعمار وسيطرة القوى الخارجية.
ولقد كشفت الأحداث فيما كشفت عن هدف واضح صريح: مَن وراء كل مخططات الغزو، ومَن وراء التيارات الوافدة جميعًا هو:"القضاء على الهوية"على الذاتية، على الشخصية، على ذلك كالطابع الأصيل الذي كونته عوامل العقيدة والثقافة والأرض والطبيعة جميعًا. القضاء عليه بالاحتواء والإذابة والعمل على صهره في البوتقة العالمية، التي تواجهه من جهاته الثلاث: استعمارية وصهيونية وماركسية، وتواجهه بالمادية والإلحاد والإباحية والقضاء على القيم والتاريخ واللغة والدين.
الهدف هو صهر هذه الأمة: المتفردة بذاتية التوحيد الخاص منذ أن براها الحق تبارك وتعالى لتكون علمًا على فكرة الحق، متميزة بالفكر الرباني السمح في مواجهة زحف الفكر البشري المضطرب العاصف الحامل لكل الأخطار.