الصفحة 11 من 19

إنه ما دامت اللاتينية قد ماتت ودخلت المتحف فلماذا لا تموت اللغة العربية وتتفرع عنها لغات إقليمية. والحق أن وجه المقارنة غير صحيح وغير صادق؛ فقد انتهت اللغة اللاتينية وتحولت لهجاتها إلى لغات، وليس كذلك ما يحدث بالنسبة للغة العربية التي ما زال القرآن يظاهرها ويجعلها ما كتبت منذ أربعة عشر قرنًا مقروءًا إلى اليوم، بينما لم يحدث ذلك مطلقًا لأي لغة من اللغات الحية، التي تتغير كل ثلاثة قرون، فامرؤ القيس السابق للإسلام نقرأه نحن الآن ونفهمه بعد أكثر من 1500 سنة، بينما شكسبير لا يفهمه الإنجليز وقد مضى عليه ثلاثمائة عام تقريبًا، وهذه الظاهرة في اللغة العربية تجعلها لا تخضع لعلم اللغات الذي يحاول أن يحكم على كل اللغات بظواهر عامة مشتركة. ومن تميز اللغة العربية أيضًا أنها ليست لغة أمة كما يحدث للغات جميعًا؛ ولكنها إلى ذلك لغة فكر وثقافة وعقيدة لسبعمائة مليون مسلم، العرب بينهم مائة مليون على الأكثر، ومن هنا تنكشف فوارق كثيرة بين اللغة العربية لغة القرآن وبين اللغات القديمة كاللاتينية واللغات العامة.

وقد كانت اللغة العربية بطبيعة تركيبها وتميزها بالقدرة على الاشتقاق والتوالد عاملًا هامًا في مكانتها، وقد وصفها أرنست رينان بأنها خلافًا لكل اللغات ظهرت فجأة في غاية الكمال، غنية أي غنى بحيث لم يدخل عليها حتى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة وأنها ظهرت منذ أول أمرها تامة مستحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت